• السبت , 24 يوليو 2021

عرض مسد الذي لم يرد عليه الائتلاف.. توحيد الشمال أم ترسيخ للتقسيم؟

عبدالله النجار

موقع تلفزيون سوريا:16/6/2021

في لقائه مع معهد الشرق الأوسط للسياسات قدّم رياض ضرار رئيس مجلس سوريا الديمقراطية “مسد” عرضاً “لتوحيد الشمال بإدارة شرقية وغربية يمكن أن تقيم نظاماً لامركزياً” وفق ما نشر موقع المجلس قبل أسبوعين، ويعتبر هذا العرض الأول من نوعه الذي تقدمه “مسد” للمعارضة السورية “التابعة لتركيا” حسب توصيف ضرار، ويقصد بها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة الذي سبق له اتهامه أيضاً بأنه مايزال يحمل عقلية حزب البعث.

تفيدنا تجربة ضرار خلال السنوات الأربع الماضية من رئاسته للمجلس بأنه يردد ويلتزم تصريحات قادة PKK وممثليه في سوريا، ورغم أنه يمثل نظرياً أعلى سلطة سياسية شرق الفرات إلا أنه لم يسجل له أي موقف أو تصريح سابق أو متقدم عليهم، حتى إنه تم تجاوزه العام الماضي عند توقيع مذكرة التفاهم مع حزب الإرادة الشعبية في موسكو التي وقعتها رئيسة المكتب التنفيذي إلهام أحمد في مخالفة واضحة للنظام الداخلي للمجلس، وتحول ضرار إلى محلل سياسي على الفضائيات بدلاً من أن يكون صاحب التوقيع على المذكرة.

ليس موضوعنا رياض ضرار في هذا المقام وإنما أردنا مما سبق الوصول إلى نتيجة فحواها أنه لم يكن للرجل أن يطرح هذا العرض لولا الموافقة والتشجيع المسبق من قيادات الصف الأول شرقي الفرات التي تنتمي في مجملها إلى حزب العمال الكردستاني سواء تلك التي تسيطر على الجانب السياسي أو الجانبين العسكري والإداري، خاصة أن عرضه قد تم بحضور عضوين آخرين من قيادات “مسد” هما بسام صقر عضو المجلس الرئاسي وبسام إسحق عضو مكتب العلاقات، وبمشاركة المبعوث الأميركي السابق إلى سوريا السفير جيمس جيفري، وتزامن أيضاً مع وجود وفد من الخارجية الأميركية يرأسه مساعد وزير الخارجية بالإنابة جوي هود شرقي الفرات، التقى قيادات قسد ومسد وزعماء العشائر من الرقة.

بالعودة إلى الوراء فقد تضمن البيان الختامي للمؤتمر الرابع لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD الذي عقد في 15تشرين أول/اكتوبر2010 في قنديل بشمالي العراق مناشدةً من المؤتمرين موجهة إلى الدولة السورية تتضمن مطالبتها بالاعتراف بالهوية الكردية دستورياً، وتأكيداً منهم على أن الإدارة الذاتية الديمقراطية التي يطالبون بها يمكن أن تتم بإجراء بعض التعديلات في قانون الإدارة المحلية السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 15 لعام 1971 المعمول به آنذاك، وقد أكد ذلك بعد أشهر قليلة زعيمهم المسجون في تركيا عبد الله أوجلان الذي قدم عرضاً للنظام السوري في نيسان/أبريل 2011 يتضمن إعادة تدوير البلديات لتطبيق الإدارة الذاتية مقابل دعمه ومساندته للنظام في مواجهة الثورة، وهو ما تلقفه النظام على الفور وقام باستجلاب العمال الكردستاني من قنديل وتسليمه الشمال السوري في تموز/يوليو 2012، ليعلن الحزب إداراته الذاتية الديمقراطية المؤقتة في الجزيرة ثم في عفرين وأخيراً في عين العرب في كانون الثاني/يناير2014 التي تطورت لاحقا إلى فيدرالية روجافا في عام 2016 قبل أن يتراجع عنها ويستقر على مصطلح الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا الذي ما يزال معمولاً به حتى الآن ويشكل واجهة إعلامية لسلطات الأمر الواقع التي يسيطر عليها ويقودها فعلياً حزب العمال الكردستاني التركي PKK.

منذ إعلانه إدارته الذاتية سعى حزب الاتحاد الديمقراطي PYD للحصول على اعتراف سياسي بها حتى قبل تأسيس قوات سوريا الديمقراطية، وعلى مدى شهرين ونصف زارت وفوده أغلب الدول الأوروبية وعادت في تموز/يوليو2014 خالية الوفاض إلا من جواب واحد “ليعترف بكم البرزاني أولاً” أي حكومة إقليم كردستان العراق، ولذلك ركز الحزب كل نشاطه في الإقليم وتمكن في نهاية أيلول/سبتمبر2014 من الحصول على توقيع 30 حزباً كردياً طالبت حكومة وبرلمان ورئاسة الإقليم بالاعتراف رسميا بمقاطعات “غرب كوردستان”، وقد تقدم الموقعين كل من الاتحاد الإسلامي الكوردستاني والحزب الشيوعي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني”جلال طالباني” ، وكان أبرز المتغيبين هو الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كان يرأسه آنذاك رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني.

وفي 15 تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه عقد برلمان إقليم كردستان اجتماعا تم فيه التصويت على الاعتراف بالإدارة الذاتية بكانتوناتها الثلاثة تغيب عنه أيضاً نواب الحزب الديمقراطي الكردستاني ولم يقبل به رئيس الإقليم وطوي القرار.

ومع تشكيل التحالف الدولي ضد تنظيم داعش وانخراط قوات الحماية الشعبية YPG التابعة للحزب فيها، بدأ الأخير مشواراً جديداً ركز من خلاله على إمكانية الحصول على اعتراف سياسي بإدارته الذاتية من قبل الولايات المتحدة مكافأة له على مشاركته في قتال تنظيم داعش، إلا أن ذلك لم يتم حتى الآن، على الرغم من المواقف واللقاءات والتصريحات الكثيرة التي تفسرها قيادات الحزب على أنها بوادر اعتراف سياسي بالإدارة الذاتية.

كما أعلنت قيادة الحزب في مراحل متعددة خلال السنوات السابقة عن إجرائها جولاتٍ من المفاوضات مع النظام السوري للحصول على اعتراف سياسي، إلا أنه لم يصدر عن الأخير ما يؤكد ذلك، وأقصى ما قدمه النظام هو إرسال وفد من الأحزاب الموالية له إبان عملية نبع السلام في تشرين الأول 2019 قدمت نسخة من قانون الإدارة المحلية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 107 لعام 2011 إلى قيادة الحزب في إشارة تبدو واضحة، في حين تؤكد مصادر مقربة من الإدارة الذاتية أنه لم تجر خلال السنوات الماضية أية مفاوضات جدية بين الطرفين، وأن أقصى ما قدمه النظام هو جوازات سفر لبعض أعضاء الوفود المحاورة الذين بحقهم بلاغات أمنية.تتمثل عقدة “مسد” في أنها لا تستطيع إبرام أي اتفاق مع النظام إلا في سياق حل سياسي شامل للأزمة السورية يضمن استمراره ويمنحه الشرعيتين الوطنية والدولية، أما عقدة النظام فهي أنه لا يستطيع التنازل عن أي شيء لــــــــــــــ”مسد”، لأن ذلك سوف يفتح عليه باب التنازلات وتؤدي به إلى السقوط.

بالإضافة إلى ذلك فقد فشلت كل محاولات الحزب في الانضمام إلى منصات المعارضة رغم الوعود الكثيرة التي أطلقها أو تلك التي تلقاها، ويبقى الاختراق الوحيد الذي تمكن من تسجيله هو توقيع مذكرة التفاهم مع حزب الإرادة الشعبية التي أشرنا إليها أعلاه، أما انضمام بعض الشخصيات أو الأحزاب الفارغة التي يتم الإعلان عنها من حين لآخر فهي لا تعدو كونها ترتيبات تتم لقاء مبالغ مالية يتم دفعها لهذه الشخصيات أو الكيانات على سبيل المساعدات.يستند عرض ضرار إلى سياسة الأمر الواقع المستندة إلى شرعية البندقية، حيث يسيطر الحزب على خمس البلاد التي تحتضن ثلاثة أرباع ثرواتها ومواردها، وهو منهمك من جانب في ترسيخ إيديولوجيته ومن جانب آخر في تفكيك المجتمع وإعادة تركيبه بما يتوافق مع خلق شبكة من المصالح والزبائنية التي يمكن أن تشرعن له أهدافه وتساعده على تحقيقها عبر استخدام قوتي السلطة والمال، وصولاً إلى الرضا والتسليم بما هو كائن،

حيث ترى مراكز الأبحاث التابعة له أن الاعتراف بإقليم كردستان العراق استغرق عشر سنوات منذ تأسيسه، وبناء على ذلك يرى الباحثون لديه أنه مازال هناك ثلاث أو أربع سنوات حتى تحوز الإدارة الذاتية على اعتراف سياسي.وبينما تجتهد الولايات المتحدة منذ أكثر من عام في سبيل توحيد الصف الكردي تمهيدا لتوحيد المعارضة الممتدة من إدلب في الغرب حتى دير الزور في الشرق، يقدم ضرار عرضه المذكور أملاً في استخدام المعارضة للحصول على اعتراف سياسي لم يحصل عليه حتى الآن،

فهل لذلك علاقة بوجود الوفد الأميركي شرق الفرات، أم أن الفشل في حيازة أي اعتراف هو ما دفعه لتقديم عرضه، أم أن هناك فخّا ما يتم ترتيبه للمعارضة لتحميلها كل تبعات PKK التي تسبب بها النظام.

على المعارضة ألا تكتفي برفض العروض التي تهدف إلى ترسيخ الأمر الواقع فقط، بل يقع عليها عبء تغيير الواقع القائم حفاظاً على وحدة سوريا.

مقالات ذات صلة

USA