• الجمعة , 2 ديسمبر 2022

هجوم “تحرير الشام” على عفرين مهّد لمرحلة قادمة.. الواقع الحالي وحسابات الأطراف

موقع تلفزيون سوريا:30/10/2022

أسبوع من القتال المتواصل بين “هيئة تحرير الشام” وحلفائها، ضد “الفيلق الثالث” في الجيش الوطني السوري بريف حلب، كان كفيلاً بإحداث تغيرات جوهرية في ميزان القوى بين الأطراف العسكرية في المنطقة، وتوسع نطاق الاصطفافات بين هذه الأطراف، بما يضمن استمرارها.

بدأ القتال بين “الفيلق الثالث” من جهة، وهيئة تحرير الشام وفرقة الحمزة وفرقة السلطان سليمان شاه وحركة نور الدين الزنكي وأحرار الشام من جهة أخرى، في الريف الشمالي لحلب، في 11 تشرين الأول الجاري، على خلفية هجوم الفيلق الثالث على مقار لـ “فرقة الحمزة” في مدينة الباب بريف حلب، بعد التأكد من تورط قادة في الفرقة بقتل الناشط الإعلامي “محمد عبد اللطيف أبو غنوم” وزوجته.

وتدخلت “تحرير الشام” لمؤازرة فرقة الحمزة، وهاجمت – بمساندة فرقة السلطان سليمان شاه (العمشات) – مقار الفيلق الثالث في غصن الزيتون، وبذلك اشتعلت شرارة المواجهات التي استمرت لنحو أسبوع، تخللتها جلسات تفاوض ومداولات تمهد لاتفاق بين الأطراف.

وتابع السكان المحليون التطورات العسكرية لحظة بلحظة، وواكبوا تبدل خريطة السيطرة بشكل آني، ومع ذلك بقيت عشرات الأسئلة بلا أجوبة، مع غياب التوضيحات الرسمية من الفصائل، ما وضع المنطقة أمام مشهد ضبابي ومستقبل مجهول.يناقش التقرير خفايا الاتفاق الذي وقِّع بين الفيلق الثالث وهيئة تحرير الشام، ومستقبله، والموقف التركي من تمدد الهيئة ضمن منطقة غصن الزيتون، والواقع الميداني بعد توقف الاشتباكات والرؤية المستقبلية لبعض الفصائل.

اتفاق على وقع الاشتباكات

في بداية دخول قوات “هيئة تحرير الشام” إلى منطقة “غصن الزيتون”، وقعت اشتباكات بين الهيئة وقوات “حركة التحرير والبناء” في مدينة جنديرس بريف عفرين الجنوبي، وسرعان ما سيطرت الهيئة على المدينة، لتتوجه بعد ذلك باتجاه مركز مدينة عفرين.

وقعت اشتباكات عنيفة بين الفيلق الثالث وهيئة تحرير الشام والفصائل التي تعاونت معها، على الأطراف الجنوبية لمدينة عفرين، وتحديداً في قرية قرزيحل، وبعد سيطرة الهيئة على القرية، قرر الفيلق الثالث الانسحاب من كامل مدينة عفرين، لأنها بالأصل لم تكن تحت سيطرته المطلقة، ولأن قرار خوض حرب شوارع داخلها ضد الهيئة، سيعرّض حياة الآلاف من سكانها للخطر.

وقرر الفيلق الثالث تعزيز نقاط رباطه في بلدة كفرجنة الواقعة بين مدينتي عفرين واعزاز، والعمل على بناء خطوط دفاعية لمواجهة قوات الهيئة، وبالفعل تمكن الفيلق من صد عدة محاولات تقدم للقوات المهاجمة، وتدمير آليات ثقيلة وقتل عشرات العناصر معظمهم من الهيئة.

وفي أوج فترة الحماس التي ضربت قوات الفيلق الثالث، تسرّب اتفاق بين قائد الفيلق “حسام ياسين”، وقائد هيئة تحرير الشام “أبو محمد الجولاني”، يتألف من 10 بنود، أولها وقف إطلاق النار بشكل شامل، وإنهاء الخلاف الحاصل بين الطرفين.

ولم يستمر الاتفاق سوى لساعات، إذ استأنفت هيئة تحرير الشام هجومها على كفرجنة وما حولها، وسيطرت على مساحات واسعة، لتصبح على تخوم مدينة اعزاز المعقل الأساسي للفيلق الثالث، قبل أن يتدخل الجيش التركي وينشر وحدات عسكرية رفقة مدرعات ثقيلة ودبابات على طريق عفرين – اعزاز، ويوعز لقوات الهيئة بوقف الهجوم.

ما الذي دفع لتوقيع الاتفاق؟ وما بنوده؟بعد توقيع الاتفاق، تساءل المئات عن دوافع الفيلق الثالث للرضوخ أمام هيئة تحرير الشام، والتوقيع على اتفاق يمنحها صلاحية الإدارة والإشراف على المؤسسات بريف حلب الشمالي، رغم أن موقفه العسكري كان جيداً واستطاع تكبيد الهيئة خسائر عسكرية وبشرية.

ومن مبررات التوقيع على الاتفاق، تحييد بعض قطاعات الفيلق الثالث لنفسها عن القتال، بسبب انقطاع طرق الإمداد لها، ومحاصرتها من قبل الفصائل المتعاونة مع الهيئة، كما حدث في مدينتي الباب وجرابلس شرقي حلب، والسعي الحثيث للهيئة لإحداث شرخ بين قادة الصف الأول في الفيلق، وتهديد بعض الأطراف في الجيش الوطني باقتحام مدينة اعزاز من الجهة الشرقية، وإطباق الحصار على قوات الفيلق الثالث بشكل كامل، ووضع التشكيل أمام خطر الإنهاء أو التفكك.

وينص الاتفاق على:

_وقف إطلاق نار شامل وإنهاء الخلاف الحاصل بين الطرفين.

_إطلاق سراح كل الموقوفين في الأحداث الأخيرة من جميع الأطراف.

_عودة قوات الفيلق الثالث إلى مقاره وثكناته.

_فك الاستنفار العسكري الحاصل لدى هيئة تحرير الشام.

_استعادة الفيلق الثالث لمقاره وثكناته ونقاط رباطه.

_عدم التعرض لمقار وسلاح وعتاد وممتلكات الفيلق الثالث وعناصره.

_يتركز نشاط الفيلق الثالث في المجال العسكري فقط.عدم ملاحقة أي أحد بناء على خلافات فصائلية وسياسية.

ا_لتعاون على البر والتقوى في محاربة الفساد ورد المظالم.

_اتفق الفريقان على استمرار التشاور والمداولات لترتيب وإصلاح المؤسسات المدنية في المرحلة المقبلة.

ويعطي الاتفاق الضوء الأخضر للهيئة لإدارة منطقة ريف حلب الشمالي مدنياً واقتصادياً وأمنياً، والتدخل في شؤون المجالس المحلية وقوات الشرطة، ما يعني احتمالية الصدام مع الجانب التركي الذي يتولى مسؤولية الإشراف على هذه المؤسسات دون أي تأثير للجيش الوطني أو الائتلاف الوطني والحكومة السورية المؤقتة.

ويسمح الاتفاق للهيئة بإدارة المعابر الحدودية مع تركيا، بما فيها معبر باب السلامة، لكن كل هذه التفاهمات تم نسفها، بعد إخلال “تحرير الشام” بالاتفاق واستئناف الهجمات على الفيلق الثالث، ثم تدخل الجيش التركي الذي تسلم زمام الأمور وأمر بخروج الهيئة من منطقة “غصن الزيتون” باتجاه إدلب.ومن العروض التي قدمتها الهيئة للفيلق الثالث، تأسيس شراكة بين الطرفين لإدارة المنطقة، وهو ما رفضه الفيلق، يقيناً منه بحجم “المطبات” التي ستواجه الهيئة، سواء شعبياً، أو مع الجانب التركي، الذي يتحكم بمفاصل الإدارة بشكل كامل بريف حلب، عكس ما هو الحال في إدلب.

نسف الاتفاق

بعد التوقيع على الاتفاق، بدأت “هيئة تحرير الشام” بخطوات فعلية تمهيداً لتطبيق البنود الواردة فيه، حيث أجرت وفود تابعة لها جولات شملت بعض المؤسسات في الباب والراعي، وضم أحد الوفود القياديين في الهيئة أبو ماريا القحطاني، وأبو أحمد زكور، والقائد السابق لحركة “أحرار الشام” حسن صوفان، المقرب من “الجولاني”.

وتؤكد مصادر قيادية في الفيلق الثالث أن الاتفاق أصبح من الماضي بعد تدخل الجيش التركي وفرض واقع جديد في المنطقة، وسط محاولات حثيثة من الهيئة لإقناع الفيلق بالعودة إلى الاتفاق وتطبيق بنوده، دون استجابة.

وبالتزامن مع نشر الجيش التركي دبابات وآليات ثقيلة على المدخل الغربي لبلدة كفرجنة غربي اعزاز لضبط المنطقة، تقول المصادر إن الجانب التركي اجتمع مع قيادة الفيلق الثالث ووعد بعدم حدوث تقدم إضافي للهيئة، وإجبارها على سحب قواتها من المنطقة، وهو ما لم يحدث بشكل كامل حتى الآن.

الواقع الحالي وحسابات الأطرافكشف قياديان في الفيلق الثالث، خلال حديث مع موقع تلفزيون سوريا، عن الواقع الميداني الحالي، بعد توقف المواجهات مع “هيئة تحرير الشام”، وإلغاء العمل بمضمون الاتفاق الذي وقع عليه الطرفان.

يمكن تلخيص التطورات الجديدة، التي تحدث عنها القيادي – فضّل عدم ذكر اسمه – بالآتي:

.تعيد قوات الفيلق الثالث الانتشار والتموضع في النقاط الاستراتيجية في محيط مدينة اعزاز شمالي حلب، وتحديداً في جبلي برصايا وبافليون المطلان على منطقة كفرجنة وغصن الزيتون.

.يعيد الفيلق الثالث ترتيب أوراقه الداخلية وتنظيم الكتل العسكرية ورفع سويتها بما يناسب الواقع القادم

.تم إلغاء الاتفاق مع “هيئة تحرير الشام” باعتبار أن الأخيرة نقضته وشنت هجوماً على مواقع الفيلق الثالث، ولا يوجد بوادر تشير إلى العودة للاتفاق

. الجيش التركي يعتبر ضامناً لمسألتين، الأولى عدم نشوب اشتباكات مرة أخرى، والثانية، إخراج “هيئة تحرير الشام” من منطقة “غصن الزيتون”.

.رفضت بعض الدول الغربية ومنها الولايات المتحدة وفرنسا دخول “هيئة تحرير الشام” إلى عفرين، باعتبارها “تنظيماً مصنفاً على قوائم الإرهاب”.

.حتى تاريخ 28 تشرين الأول/أكتوبر لا توجد جلسات تفاوض جديدة بين الفيلق الثالث وهيئة تحرير الشام لعودة الفيلق إلى مقاره في عفرين وبقية المناطق، أو لاستعادة معبر الحمران بريف حلب الشمالي، ويمكن حدوث ذلك مستقبلاً.

. تحاول “هيئة تحرير الشام” البقاء في عفرين، وتقاتل بكل السبل لأجل ذلك، وترسل عبر مكتب العلاقات التابع لها برسائل لجهاز الاستخبارات التركي، للسماح لها بالبقاء تحت غطاء الفصائل الأخرى، وخاصة “أحرار الشام”، وفي الوقت نفسه تحاول المراوغة أمام الجيش التركي، وعقد اتفاق جديد معه يضمن لها البقاء في غصن الزيتون.

.لم يعقد الفيلق الثالث جلسات تفاوض حديثة مع “تحرير الشام” بشكل رسمي، وقد تكون بعض الشخصيات في الفيلق قد التقت بالهيئة دون تفويض من القيادة، وغالباً هم ممن علّق عمله ضمن الفيلق في الآونة الأخيرة، ولا يمثلون قيادة التشكيل أو مجلس الشورى.

. تخطط الهيئة لفرض أمر واقع في “غصن الزيتون”، بالتعاون مع فصائل تحالفت معها، والتجهيز لمرحلة أخرى للتغلغل في منطقة “درع الفرات”، بينما يطالب الفيلق الثالث بإتمام إخراج الهيئة من عفرين بشكل كامل، بحسب القيادي.

.عمليات الدهم والاعتقال من جانب “هيئة تحرير الشام” مستمرة في عفرين، وتستهدف منازل تعود لأفراد في الفيلق الثالث.

خرجت تسريبات على وسائل الإعلام عن مشروع تركي لدمج الجيش الوطني السوري ضمن مجلس عسكري مشترك؛ ولكن حتى الآن لم تعقد جلسات بهذا الخصوص وسيطرح الجانب التركي مقترحه على فصائل الجيش الوطني بعد فترة.

وفي وقت سابق قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، إن واشنطن “تركز مع شركاء في المنطقة على إخراج هيئة تحرير الشام من مدينة عفرين”، مؤكداً أن الولايات المتحدة “تراقب التطورات عن كثب”.

وأوضح برايس أن “عدم الاستقرار في سوريا، وقدرة الجماعات المتطرفة والإرهابية على استخدام الأراضي السورية للتخطيط ولتشكيل قاعدة لها، مصدر قلق لنا جميعاً”، مضيفاً: “لدينا مجموعة من الأدوات (لإخراج هيئة تحرير الشام من عفرين)، وسنواصل معايرة تلك الأدوات بشكل مناسب”.

وقبل أيام كتب المحلل والباحث في القضايا الأمنية والسياسية، فايز الأسمر، في مقال له بموقع تلفزيون سوريا: “تعددت الأقاويل والتأويلات والتحليلات بأن “الهيئة” دخلت عفرين وسيطرت عليها، ولن تخرج منها، وستدخل لاحقاً إلى مناطق درع الفرات في مدينة اعزاز وصولاً إلى جرابلس بهدف السيطرة على تلك المناطق وابتلاع فصائلها، ولكن وبنظرة موضوعية وبقراءة متأنية للواقع السياسي والميداني المحيط بالأحداث، سنجد أن هذه التأويلات والتحليلات بعيدة عن الواقع كلّياً، ولا يتمتع مروجوها ببعد النظر أو استقراء الأحداث والربط بينها بشكلها الصحيح، وعليه فإننا نستطيع القول إن سيطرة “هيئة تحرير الشام” المطلقة على المناطق “المحررة” في الشمال السوري مرفوضة شكلاً ربما لا مضموناً من الجانب التركي، ولن تحصل رغم عدم رضا أنقرة عن أداء وسلوك بعض الفصائل في منطقتي “غصن الزيتون ودرع الفرات”، ورغم حاجتها لقوة واحدة موحدة تتعامل معها في حال تم التوصل إلى أي تفاهمات وتسويات جديدة تخص الشمال السوري”.

ورأى “الأسمر” أن “القيادة التركية لن تسمح بجعل “هيئة تحرير الشام” الذريعة والعذر لروسيا والنظام وقسد وغيرهم لاستهداف المناطق التي تقع تحت نفوذها، وبالتالي إضعاف مواقفها وأوراقها السياسية والعسكرية العديدة في الملف السوري لصالح أطراف أخرى”.

مقالات ذات صلة

USA