• الإثنين , 26 سبتمبر 2022

محمد علي عيسى: المجلس الوطني الكوردي أمام امتحان صعب

عندما بدأت أصوات الحریة تتعالى في وجه الطغاة و ظھرت ملامح ما یسمى بالربیع العربي في كثیر من البلدان إلى أن وصل إلى سوریا ، و َمن مثل سوریا كان بحاجة ھكذا ربیع بعد خریف دام عشرات السنین.
و مما لاشك فیھ أن المكون الكوردي كان الجزء الأحوج لھكذا ثورة كونه المكون الأكثر تعرضاً للظلم و التمییز في ظل حكم الطاغیة الأب و الإبن لعقود من الزمن .
و ھنا كان ّلابد للحركة الكوردیة الوطنیة في سوریا أن تحدد خیاراتھا و تعبر عن توجھاتھا ، و لأن الوضع لم یكن یحتاج لدراسة مطولة او تفكیر عمیق لتحدید الجھة التي یجب الانتماء الیھا طالما الاختیار محصور بین نظام دیكتاتوري مجرم و شعب یصرخ للخلاص و یھتف للحریة و الكرامة ، لذا كان من الطبیعي أن یكون أكثر متضرري النظام من أوائل الثائرین علیه فحسم الشعب الكوردي أمره و أخذ قراره منذ البدایة و ھو الانضمام إلى ھذه الثورة بكل شبابھا و طاقاتھا .
لكن كان لل ب ي د رأي آخر شاذ و غریب عن مجرى الاحداث ، بصراحة والحق یقال لم یكن غریباً بالنسبة لھم ھم بالذات ، فقد فرض تاریخھم العفن علیھم نفسه من جدید ، فقرروا ألا یخونوا علاقاتھم القدیمة و ینسوا أولي الفضل علیھم ، فعادوا من جدید إلى جلباب النظام السوري و الملالي الایراني ، لیجندوا
أنفسھم سلاحاً مأجوراً بیدھم و قوات تحت الطلب یأتمرون بأوامرھم دون نقاش ، ابتداءاً بالتضییق على القوى الوطنیة و ملاحقة الشخصیات الثوریة و محاربة قوى الثورة و لیس انتھاءاً بتحریر الاراضي بدماء الكرد و تسلیمھا على طبق من ذھب للنظام.
في الجھة المقابلة لم یستطع المجلس الوطني الكردي أن یرتقي إلى مستوى ٍ حدث ٍضخم كالثورة السوریة و أن یتخذ قراره و یبني ٍ علاقات متوازنة مع قوى الثورة ، كما تأخر بخطوات عن الشباب الكورد الثائر و الذي أتخذ قراره فوراً و نزل إلى الشوارع للمشاركة بكل قوة في المظاھرات ، بل ظل المجلس في موقف ٍ متردد، فوضع رِجلاً في المعارضة السوریة من خلال الائتلاف الوطني والذي دخله بعد جھد جھید و صراعات في المجلس و الرِجلُ الآخر في الھیئة الكردیة العلیا من مبدأ مد الجسور بین الإخوة ، فلا استطاع كسب ثقة الائتلاف وتبدید الشكوك عن نفسه و لا استطاع الاستمرار مع ال ب ي د في الھیئة العلیا ،ھذه الھیئة التي تم استغلالھا كلیا من ال ب ي د لخدمة مصالحه و بالتالي لمصالح النظام .
و مما لا یمكن إنكاره ھو أن المجلس كان في بعض المواقف یرتقي لمستوى الحدث ، یأخذ مواقف جدیة ، كما إنه له الفضل الكبیر في إخراج قضیة الشعب الكردي من قوقعتھا و طرحھا على مستوى العالم من خلال انفتاحه على المجتمع الدولي مستفیداً من عضویته في الائتلاف السوري و مشاركته في المؤتمرات الدولیة ، لكن الصفة العامة و السائدة للمجلس كانت التردد و اللاحسم .
الصفتان الأخیرتان أفقدتا المجلس جمھوره و وجوده على الأرض و أتاح لل ب ي د السیطرة على الارض و الشعب الكردي لیقوم بفعل ما أراد و عجز عنه أسیاده في دمشق ، من اعتقال الشخصیات الكردیة الثوریة و فرض الأتاوات و تجنید القاصرین و إفراغ المنطقة من شبابھا و أدلجة التعلیم و إلغاء الحالة السیاسیة في المنطقة والتضییق على التنسیقیات و آخر أفعاله الشنیعة كانت مقامرة العصر في عفرین من خلال زجھا في  معركة خاسرة محسومة النتائج سلفاً و استنجادھا بشبیحة النظام و استكمالاً لجریمته قام بمنع الأھالي من العودة من خلال زرع الألغام في الطرق و داخل البیوت و المحلات و مؤخراً بتنا نسمع كل یوم عن ظاھرة قتل الأشخاص على الحواجز و فض اعتصامات الأھالي الراغبین بالعودة بقوة السلاح و تسكینھم في مخیمات تعیسة تفتقر لكل مقومات الحیاة و أمام عیونھم منازلھم تغتصب ، لقد فعل ھذا الحزب كل ما یمكن فعله بھدف إفراغ عفرین من أھلھا لیتیح بذلك توطین القادمین من الغوطة لیضع بذلك حجر الأساس لمشروع التغییر الدیمغرافي في المناطق الكردیة ، ھذا المشروع المشؤوم الذي التقت عنده مصالح النظام و تركیا و ال ب ي د ، كما إنه ومؤخراً قام بتسلیم تسعین شخصیة كردیة و على رأسھم المناضل عبد الرحمن ابو الى النظام السوري ، ومایزال مستمراً في ممارساته و بیعه الاوھام للشعب.
ما میز المجلس الوطني طوال ھذه المدة و جعله الخیار الأفضل ھو صحة موقفه و تبنیه مشروعاً یجمع بین الوطنیة السوریة و القومیة الكردیة و عدم قیامه بإیھام الشعب و خداعه ، وإن كان لم یستطع أن یحمیھم من بطش ال ب ي د ، إلا أنه لم یلطخ یدیه بدماء الكرد و ظل بریئاً مما آلت إلیه حال الكرد و مناطقھم الآن .
و بعد الھزیمة المذلة التي مني بھا ال ب ي د في عفرین و فشل مشروع ، خاصة بعد تخلي القوى الكبرى عن ، و لأن العبرة تكمن في الخواتیم و الأمور في سوریا بدأت تفضي إلى خواتیمھا ، كما و سیكتمل قریبا ملامح الخطة الأمریكیة، فسیكون مصیر ال ب ي د كمصیر غیره من المسلحین المأجورین مثل النصرة و داعش ، سیعود كل إلى جحره ، لحین الحاجة في مكان و زمان آخرین.
بعد ھذه السقطة الشعبیة لل ب ي د و فقدانه لثقة الكرد ، كان یُفترض على المجلس الوطني أن یقوم بملأ ھذا الفراغ و لعب دور سیاسي و میداني فعال من خلال اتخاذ موقف سلیم و ّجدي تجاه ما حصل في عفرین و المساھمة في عودة الأھالي وتأمین الأمن و الأمان وكافة مستلزمات العیش لھم ، لكن ھذا لم یحدث إنما العكس ، اكتفى المجلس بإصدار البیانات و التأویل واللعب على المصطلحات دون الخوض فیما ھو عملي و مجدي لأھالي عفرین ، و ھذا ما سبب امتعاض واستیاء غالبیة الاھالي للمجلس.
وكما تعود تف دم في كل كارثة یجلبه و كل مأزق یقع فیه أن یجد المجلس الوطني جاھزا للنقاش و رمي حبل النجاة له و تقدیم خدماته بالمجان دون ضمانات أو شروط كما حدث في اجتماعات ھولیر 1 و ھولیر 2 و دھوك والتي تمت تحت رعایة الاقلیم من خلال شخص (حمید دربندي) مسؤول الملف السوري في حكومة الاقلیم ، الذي لا بد أن نوفیه حقه من النقد لأنه أثبت و بكل جدارة فشله منذ بدایة الأزمة السوریة في إدارة العلاقات مع ال تف دم و قد ساھم بشكل فعال في تقویة شوكة ال تف دم ، و فرض سطوته مقابل إضعاف المجلس الوطني وكانت حجته الدائمة وحدة الصف الكردي دون أن یتفكر ولو قلیلا في الجھة المسؤولة عن افشال كل محاولة لتوحید الجھود و الرافضة للمشاركة و المتشدقة دائما بأبذأ الاتھامات و الشتائم للقیادات و الرموز الكردیة.
یبدو بأن دربندي ھذا ، یروق له كل من یشتم سیادة الرئیس مسعود البارزاني و یشوه تاریخه أم تُراه نسي أو تناسى بأن آلدار خلیل و جماعته جابوا الشوارع حاملین لافتات مھینة للسید مسعود البارزاني متھمینه بالخیانة ، و ھم أیضا من وصفوا قوات البشمركة بالعصابات (جته) ، كما كان لھم دور في عملیة بیع كركوك ، و لم یفوت أي فرصة سانحة للتآمر و الضرب تحت زنار الاقلیم من خلال تعاونه مع أعداء الاقلیم.
حمید دربندي لیس على قدر الثقة التي حملھا إیاه الاقلیم ولیس أمین لھذا الموقع و یعتبر نقطة سوداء في إدارة الاقلیم و إساءة لمكانة و نھج السید مسعود البارزاني و تاریخھ الناصع .
ھكذا شخصیة ھشة و في موقع حساس ھي من تدفع تف دم دائماً للجوء إلیھا لكسب مساعدة المجلس بعد كل كارثة یقوم بھا.

و ھذا ما یحاول أن یفعله ھذه المرة أیضاً و یبدو أن المجلس خانته رجاحته و خبرته السیاسیة و غلبه الحنین و أعماه شعارات تف دم ، لكن على المجلس أن یعلم جیدا ( و لیعتبروه تنبیھاً من شخص غیور على تاریخ المجلس ) بأنه سیفقد من تبقى من جمھوره و یفرط بآخر قواعده كما سیخسر مشروعه الوطني الكردي، لابل سیخسر نصاعة تاریخه و ماضیه و سیشارك المجلس تف دم وزر ھزیمة عفرین و كافة جرائمه آنفة الذكر حتى و إن كان تحالفه معه بعد الجریمة .
كل ذلك مقابل أوھام باعه ال تف دم الذي یعیش الآن ذروة الھزیمة و الافلاس سیاسي ، فكیف لفاقد الشئ أن یعطیه ، تف دم لیس لدیه ما یقدمه للمجلس فھو بحاجة لأیة قشة تنقذه من الغرق .
وكما یقال إغضاب المستعمر أسھل من إرضاءه كذلك ال تف دم لن یكف عن المطالبات و الشروط ولن یرضى إلا باضمحلال المجلس الذي سیغوص في رمال ال تف دم المتحركة نحو الأسفل أكثر و أكثر و لن یستطیع أن یقاوم حتى ، إلى أن ّ تخر قواه و یصبح لا حول لھ و لا قوة و لا حتى حق الرفض ، و سیقبل بكل الشروط المفروضة إلى أن ینتھي الامر به الى زوال كیان یدعى بالمجلس الوطني الكردي و ھذا كان و مایزال غایة ال ب ي د . فاعقلوا و تحسبوا و احذروا الوقوع في مستنقع تف دم .

مقالات ذات صلة

USA