• الخميس , 22 فبراير 2024

قبل أن نستسلم لروسيا ونسلمها البلاد

عقيل حسين /اورينت

الاستعراض المتضخم للقوة الذي أجرته وحدات من الجيش الروسي في سواحل المتوسط السورية الأسبوع الماضي جاء رداً من حيث الشكل على مناورة محدودة نفذتها قبل ذلك بأيام قوة تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) على بعد أميال فقط.

لكن المناورات الروسية من حيث المضمون كانت توجه رسائل صريحة هذه المرة بأن روسيا باتت موجودة وللمرة الأولى تاريخياً في المياه الدافئة، وأن تدخلها في سوريا يتجاوز بكثير مهمة إنقاذ نظام بشار من السقوط.هل ارتكب الغرب خطأ استراتيجياً كبيراً حين سمح لموسكو بالتدخل العسكري المباشر في سوريا عام ٢٠١٥، وهل أخطأت أمريكا وأوروبا بالتقدير عندما ظنتا أن روسيا ستتورط في مستنقع يكلفها خسائر فادحة، مقابل انسحابهما من بلد يعاني من الفوضى والحرب المدمرة وانتشار الجماعات المتطرفة؟أولاً دعونا نفصل هنا بين أوروبا والولايات المتحدة في هذه المسألة، إذ لا يمكن الحديث عن أي دور للقارة العجوز في الترتيب لدخول روسيا إلى سوريا، وهي أضعف من أن تقرر الموافقة على ذلك أو ترفضها، فالقرار منذ البداية كان أمريكياً.

ثانياً يجب أن نعيد التأكيد على أن فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما شهدت ارتكاب كوارث إستراتيجية أسست لتراجع أمريكا والسماح لخصومها بتحقيق قفزات كبيرة كانوا يحتاجون عقوداً ربما من أجل تحقيقها، والحديث هنا يشمل الصين وإيران إلى جانب روسيا.

وعليه لا بد أن نستذكر أيضاً أن الاتفاق الذي وقّعه جون كيري وزير خارجية أوباما مع نظيره الروسي سيرجي لافروف، والذي أفضى إلى التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا، تزامن تقريباً مع توقيع أوباما على الاتفاق النووي الإيراني عام ٢٠١٥، والذي سمح بدوره لطهران بتحقيق تقدم كبير في برنامجها المخصص لصنع قنبلة نووية، وفي برامجها الصاروخية وخططها التوسعيّة في منطقة الشرق الأوسط، بينما وجدت الصين في تراخي إدارة أوباما الظروف المثالية للذهاب بعيداً وبسرعة الضوء نحو الصعود.

كان يمكن ألا يعني لنا كل ذلك شيئاً لولا أن ما جرى أثر علينا كسوريين أولاً وكعرب أيضاً. صحيح أن العالم العربي هو خارج حسابات القوة عالمياً، لكن الصحيح قبل ذلك أن هذا التقدم الروسي والتوسع الإيراني كان على حسابنا نحن.

لقد حاول خليفة أوباما، دونالد ترامب، على مدار أربع سنوات من حكمه تدارك كوارث سلفه، لكن خرق أوباما كان قد اتسع على أي راقع، ورغم فرملة إيران إلى حد ما نتيجة العقوبات الصارمة التي فرضت عليها بين عامَي ٢٠١٧ و ٢٠٢٠، ورغم التضييق الواضح على الصين وعرقلة خطواتها، إلا أن ترامب لم يحرك ساكناً بخصوص روسيا، أو لنقل إنه لم يهتم كثيراً بمخططات بوتين الساعية لإعادة بلاده إلى موقع القوة العالمية، فكان أن حضرت قوات الأخير في ليبيا بعد سوريا، وتعزز وجودها في منطقة القرن الإفريقي إلى حد ما، وتمكنت من تعزيز حضورها في منطقة الصدع الأورو-آسيوي .. كل ذلك وغيره بينما كانت مؤسسات الحكم الأمريكية تعتقد أنها تسهم في وضع موسكو بمواجهة بكين.

سياسة تقليدية مفزعة وإستراتيجية تاريخية مكشوفة اعتمدتها الولايات المتحدة، عنوانها “ضرب الخصوم بعضهم ببعض”، لكن فات واشنطن أن هؤلاء الخصوم تعلموا أيضاً من دروس التاريخ، وأن مثل هذه الخطط الساذجة لم تعد تمر حتى على الأطفال.في الواقع ليس على الكل، فهناك بالفعل من مرت عليهم هذه السذاجة الأمريكية، وفي مقدمتهم المعارضة السورية التي ظن الكثير من قواها السياسية والعسكرية أن أمريكا تورّط روسيا في سوريا، وأن موسكو ستجد نفسها في مستنقع موحل تدفع فيه ثمناً باهظاً قبل أن تضطر للفرار كما حدث في أفغانستان، لكن ما حدث أن الثمن دفعناه نحن السوريين ولا تزال فاتورته المنتظرة كبيرة.

لقد أنجزت روسيا الهدف الأول من مهمتها التي أوعزت لها أمريكا به وهو إنقاذ النظام من الانهيار، وتجاوزت مرحلة الإنقاذ إلى مرحلة تثبيت هذا النظام وحمايته، لكن مع إضافة مكاسب كبيرة تتمثل بإقامة قواعد عسكرية بلغت حتى الآن ثلاث قواعد رئيسية: الأولى بحرية في ميناء طرطوس، والثانية والثالثة جويتان في حميميم ومطار القامشلي، بالإضافة لما لا يقل عن خمس نقاط أخرى تتوسع تدريجياً، من البادية إلى أقصى الشرق، ومثل هذا الحدث كانت الولايات المتحدة تقيم تحالفات وترسل أساطيل بل وتهدد بحرب نووية لو حصل في ستينات أو سبعينات القرن الماضي، والأمثلة على ذلك عديدة بينها وبين الاتحاد السوفياتي.

أما على الصعيد الاقتصادي، فلا يمكن وصف ما تطبقه روسيا من إجراءات إلا بالاستعمار ونهب الثروات ووضع البلاد تحت الوصاية الكاملة، وللمفارقة فإن من يضايقها فقط في هذا المجال هم الإيرانيون..المحتلون الآخرون لسوريا !وهنا لا يمكن تجاوز سذاجة أخرى تعاملت بها المعارضة مع هذا الملف، وهو التعويل على التنافس الروسي الإيراني، وتضخيم الآمال على تفجر صراع بينهما، في تخيل مضحك لحرب يمكن أن تنشب بين الطرفين..هكذا وبكل بساطة !

مقالات ذات صلة

USA