• الإثنين , 17 يونيو 2024

في يوم النكبة، إلى فلسطين مع التحية.

في يوم النكبة، إلى فلسطين مع التحيةرعاة الملح برزخٌ يشبه السكين يقف نصلُه على إصبعِ بحرٍ يرفع شارة انتصار الماء على اليابسة. جسرٌ يقف حاجزا بين عالمين، لابد للمتقاتلين من عبوره. مرّ عليه الهكسوس في رحلة تدميرهم لمصر، واجتازه المصريون وهم يتطلعون اٍلى الشرق، غزته شعوب البحر من الغرب وجرّب الشرقيون في أرضه اختراعهم العسكري الفذ “العربة”، تصارع عليه الجميع وأحبه الجميع، لكن الغزاة ذابوا وبقي هو مغروسا في إصبع النصر التي يرفعها الماء، ربما ليعلن فقط أن اليابسة مازالت تقاوم.في هذا البرزخ نهر أعجوبة، ليس كالنيل ولا الأمازون ، هو أصغر من نهر وأكبر من جدول ، لكنه يبقى بامتياز أعظم الأنهار أثرا ، لأنه ببساطة نهر الذاهبين اٍلى حتفهم سعداء، يشبه النهر شعبه، من العذب يأتي من بحيرة طبرية التي يصلح ماؤها سجادةَ صلاة يسير عليها الأنبياء ، ويمضي النهر الجدول في مسيرته البكائية لينتحر في بحر الملح ، والبحر هنا مجاز بحر ،هو أصغر من بحيرة مغلقة ومع ذلك تواطئ الجميع على اسم البحر، مع اعترافهم أنه مات دون جنازة أو تشييع يليق بالذاهبين اٍلى الأبدية ، في هذه البقعة الصغيرة الممتدة من تخوم الرمل اٍلى بحر الحضارات، يصبح كل شيئ رمزيا يلامس الأسطورة ،ويكون البطل دائما نهر الأردن هذا النهر الذي اجتازه قبل ثلاثة آلاف عام مجموعة من الناس، فسمّوا أنفسهم بالعبريين لأنهم عبروا هذا النهر الجدول، مع أن اجتياز نهر صغير لا يعتبر عملا خارقا، لكنه في فلسطين أم الأساطير يصبح كذلك، والمفارقة أن من اجتاز النهر لم يكن بحاجة لهذا الاجتياز أصلا، فهم جاؤوا من الغرب وكان بالإمكان دخول الأرض من جهة الشرق، لكنهم ولسبب غير مفهوم قاموا باستدارة كبيرة ليجتازوا النهر، وليدخلوا الأرض من جهة الشرق، ربما ليكتسبوا شرعية الخير، فالشمس تشرق من الشرق دوما، و لكنهم لم يستطيعوا يوما أن يثبتوا انتماءهم لهذا الشرق واٍن تحدثوا اٍحدى لغاته…والنهر الصغير كما الأرض التي يجري بها، لم يكفّ عن استيلاد الرموز، غسل رسولٌ قدميه به مرة، فأصبح مخلصاً لهذا العالم، وجاء من يؤمنون به لتخليص الأرض والنهر من الآخرين، ومضوا تاركين ورائهم قلاعهم وقصص القتل والرعب والفروسية.ولم يجد رسولٌ اَخر بدّاً، من أم المدن بنت النهر المقدس التي فارقته قليلا، في رحلته اٍلى السماء، فللسماء بابٌ واحدٌ لايفتح اٍلا من قدسِ أقداس ثلاثة أرباع البشرية، كانت رحلته اٍلى السماء تتويجا لقداسة هذه المدينة وإعلانا لها كعاصمة للروح.في هذا المكان المحتشد بالرموز يصبح كل شيئ له معناً آخر، غرسُ زيتونةٍ يُنبئُ باقتراب معركة الفصل بين الحق والباطل من وجهة نظر البعض، وقدوم رجل واحد يلبس قلنسوة من جهة البحر، يكون اٍيذانا بقرب الهارمجدون من وجهة نظر الآخرين.في هذا المكان يكون الصراع في الجغرافية، وليس عليها، يصبح الصراع صراعا على الهويات، يدخل فيه الأنبياء والآلهة والتاريخ، يصبح الصراع صراعا في الروح، لأنه ببساطة صراعٌ على الغيب، على ما يريده الله من المتقاتلين.والمشكلة أنه كان هناك شعب فائض عن الحاجة دوما، فالنهر يقسم الأرض إلى قسمين، ودوما هناك ثلاثة شعوب يتقاتلون على القسمين، بعض الشعوب جربت حظها واقتنعت أن الأرض لن تغير اسمها ولن تغير جلدها فمضت بكثير من الدماء والدموع.لكنّ الصراع الأخير يأخذ بُعداً آخر، لأن القادمين الجُدد الذين جاؤا من الغرب هذه المرة، قرروا إجبار الأرض على تغيير اسمها وتاريخها وأغانيها ومشروبها المفضل، هنا تبدو المعركة الأخيرة الدائرة منذ بداية القرن العشرين، معركةً على الهوية والأرض والأسماء وحتى على ما كان يحلم به الأنبياء والغيب في مطلع التاريخ.في بداية القرن العشرين، كان العالم مشغولا بالبحث عن قطعة أرض لليهود في فلسطين، تصلح أن تكون وطنا قوميا لهم كما ادعى العالم، أما الآن فالعالم مشغول بالبحث عن قطعة أرض تصلح أن تكون دولة قابلة للحياة للفلسطينيين، بعد أن تغيرت الدنيا وفاض التاريخ على الحاضر وطغى الماضي السحيق على الأيام.هنا يصبح المشهد مثيرا للدهشة والحزن في آن، كيف تبدلت الأحوال وكيف تبدلت الأماكن، وكيف تبدلت الأسماء، وكيف تبدل المعبود في الهياكل المقدسة.وتصبح معركة الأرض المشطورة بالنهر معركةٌ على الوعي وفي الوعي. الإسرائيلي يخوض معركة “كيِّ ” الوعي بكل ما أوتي من سلاح الأساطير والحقائق والقوة والكتب المقدسة. وأهل الأرض الذين لم يبق من اسمهم الأصلي سوى رمز الأخضر الذي نبتوا فيه ما زالوا يقاومون بذاكرتهم وحقهم ووجودهم كل أنواع نزع الاسم والهوية عنهم.فالفلسطيني داخل الخط الأخضر كان ومازال مخيرا بين الأرض والهوية، وعليه في كل يوم أن يحلّ هذا الصراع مع نفسه أولاً، ومع الآخر تاليا، فأن تبقى في أرضك يعني ببساطة أنك مجبر على الاحتفال في الخامس عشر من أيار بعيد استقلال الدولة التي تحمل جنسيتها، وهو نفس اليوم الذي على الفلسطيني أن يبكي به نكبته وضياع علمه وشجره وفسحة السماد فوق الكرمل، هنا يصبح المشهد تراجيديا، ربما لم يسبق له مثيل في صراعات الشعوب، لكن للأرض قوانين أخرى لا يدركها البشر ولا يعرفها المنتشون بخمر الغلبة وبزهو القوة الزائلة، ولابد سيذهب الجميع وتبقى الأرض لأنها لن تغير اسمها وجلدها ونباتها.محمد صبرا 15\5\2020

مقالات ذات صلة

USA