• السبت , 24 سبتمبر 2022

فضيحة سوتشي بحجم الحدث

كلّ ما رافق مؤتمر سوتشي للحوار السوري، في المنتجع الروسي الواقع على البحر الأسود، أمس الثلاثاء، كان بمثابة الفضيحة. في الشكل وفي المضمون، كانت الصورة أقرب إلى المهزلة التي يصعب إخفاء معالمها إلا بقطع البث المباشر مثلما حصل بالفعل، لكي لا يرى العالم كيف تحصد روسيا نتائج سلوكها المتبني بالكامل للنظام السوري ورموزه. والفضيحة بدأت بطريقة تعاطي السلطات الروسية مع المعارضين الذي حضروا، وجزء منهم تلبية لطلب تركي، وإهانتهم وتركهم ينتظرون في مطار سوتشي لساعات جلوساً على الأرض، وترحيل عدد منهم بتهمة أنهم ينتمون إلى فصائل مسلحة سورية تصنّفها روسيا بأنها إرهابية. استمرت الفضيحة بشعار المؤتمر مزيّناً بعلم النظام السوري، وبرغبة موسكو في تشكيل ست لجان تنبثق عنه، بالمخالفة لما اتفق عليه مع تركيا لناحية تأسيس لجنة واحدة لصياغة الدستور، مروراً بكلمة الرئيس فلاديمير بوتين التي ألقاها وزير خارجيته سيرغي لافروف عن أن الظروف مؤاتية لطي صفحة مأساوية من تاريخ سورية. ولأن كل ذلك لا يكفي، جاءت الفضيحة الأخلاقية بنوعية الحاضرين من بين الـ1600 شخص، مثل مجرمي حرب من صنف معراج أورال (المعروف بـ علي كيالي)، أو “جزار بانياس” الشهير.

وبدا الفشل الذي رافق مؤتمر سوتشي كنتيجة طبيعة فرضتها طبيعة التطورات التي رافقت التحضير الروسي له، وسط تصميم موسكو على تحويله إلى منصة لإعلان انتصارها في فرض وجهة نظرها للحل في سورية القائمة على الحفاظ على النظام السوري بكل أركانه، يتقدمهم بشار الأسد، وإجبار المعارضة على تقديم تنازلات والشراكة مع هذا النظام. وهو ما جعل مؤتمر “الحوار السوري الوطني”، كما تسميه روسيا، الذي تأخرت انطلاقته ساعتين ونصف الساعة، واختزلت مدته من يومين إلى بضع ساعات، يتحول إلى “فضيحة سياسية” مكتملة الأركان للقيادة الروسية، بعدما فضلت موسكو استنساخ مؤتمرات يعقدها النظام السوري من حيث الشكل والمضمون، ما أدى إلى مقاطعته من قبل الدول الفاعلة الرئيسية في المشهد السوري مثل الولايات المتحدة وفرنسا، فضلاً عن إثارته استياء المبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا، لكن الضربة الأقوى لروسيا أتت بعد مقاطعة أغلب المعارضين المحسوبين على قوى الثورة، فضلاً عن مقاطعة بعض المشاركين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أثناء إلقاء كلمة الافتتاح التي كانت تبثّ على الهواء واتهام روسيا بقتل المدنيين في سورية بضرباتها الجوية. الأمر الذي جعل الصورة التي انتهى إليها مؤتمر سوتشي تعد صفعة قوية للمساعي الروسية التي تحاول فرض مسار بديل لمحادثات جنيف، إذ إن سقوط المؤتمر الأول الذي تقيمه روسيا على أراضيها، يأتي بعد أن كانت قد حققت تقدّماً في اتجاه تقويض جنيف من خلال مسار أستانة الذي عقدت جولاته في كازاخستان، والذي جاء كنتيجة للدور الذي أدته خلال العامين الماضيين في تغيير المعادلة العسكرية على الأرض في سورية لمصلحة قوات النظام، وترافق ذلك مع تراجع دور الولايات المتحدة والدول الأوروبية السياسي في ما يتعلق بالنزاع السوري.

كذلك جعل هذا المشهد التصريحات الروسية، تحديداً تلك الرسالة التي قرأها لافروف بالنيابة عن بوتين أمام من قرروا حضور المؤتمر، تبدو بلا أي صدى أو قيمة، وإن حاول فيها الحديث عن أن موسكو حاولت قدر الإمكان ضمان أوسع تمثيل في المؤتمر والقول إن المؤتمر “يهدف إلى توحيد الشعب السوري بعد نحو 7 سنوات من الأزمة المسلحة التي أودت بأرواح ألوف الأشخاص وأجبرت الملايين الآخرين على مغادرة وطنهم”، متناسياً أن الطيران الروسي قتل آلاف السوريين وشرّد عشرات الآلاف منهم.

كذلك جاءت هذه التصريحات متناقضة بشكل حاد مع العنف الذي يجري على الأرض في سورية، إذ أبلغ نشطاء المعارضة وقوع مزيد من الغارات الجوية على محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة. كما نقل لافروف عن بوتين قوله: “يمكن التأكيد بثقة أن الظروف متوفرة اليوم لطي صفحة مأساوية في تاريخ سورية، وفي ظل المؤشرات الإيجابية المتبلورة نحتاج إلى الحوار السوري السوري الفعال في الواقع بما يخدم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة بدور الأمم المتحدة المتقدم وعلى أساس القرارات الدولية المطروحة في هذا الشأن، وبالدرجة الأولى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254″، وهو ما يتعارض مع النهج الذي يعتمده النظام السوري، بغطاء روسي، في رفض أي تفاوض حقيقي تقوده الأمم المتحدة أو أي حديث عن انتقال سياسي.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

USA