• الإثنين , 26 سبتمبر 2022

د.محمد حاج بكري: استيقظ أيها السوري

مهما تعددت الأسباب والعوامل فالنتيجة واحدة، نحن في أوهن حالة، وعلينا أن نستيقظ من الغيبوبة شبه الأبديّة والمدامة على مدار قرابة ثمان سنوات في معظم تعاطينا مع ثورتنا ،فبعد أن كنّا نستحوذ على معظم المناطق في سورية ،أصبح معظم شعبنا مشرداً بلا وطن وديمغرافية بلا جغرافية ،سرقت منا أحلامنا وتضحياتنا، ونهبت ممتلكاتنا وهمشت طلباتنا، وكلٌّ من هبّ ودبّ مسؤولٌ عنا ، ويقرّر ويحاور ويفاوض، وينعتنا بالصّفات التي تناسب مصالحه ، وأصبحنا بلا ماضٍ وبلا عقول مفكِّرين وأدباء ومثقفين! وفتات الباقي فُبْرِكَ وشُوِّه وحُرِّفَ أو سَرَقَهُ الأخرون! وتحوّلنا إلى ثورةٍ متناحرةٍ فيما بيننا ،فهذا يجرف حراكها إلى المتاهات -ومن ضمنها الإذعان للإملاءات- فيُجْبَر على اعتبار التبعيّة بدبلوماسية مناسبة أو بواقعية سياسية ؟وفي هذا الوضع يفقد بوصلته لبلوغ الغاية، وأية غاية تلك التي لا تزال متمرغة ضمن جدالات عقيمة لم يتفق عليها حتى اللحظة طرفان! ويتأذّى منها الشّارع أكثر من حراكه ومثله الشريحة الواعية المنفية من الساحة قسراً وطوعاً.
وهذا يؤدّي إلى التقاتل فيما بيننا، فينسينا الأعداء ويطيب لنا خدمة الآخرين، ونعمل من أجل قضيتنا وفق حاجة الدّاعم، وتنتابنا الحيرة والتردّد تتقدّمنا الأخطاء، ليصيدها النظام المجرم ومخابراته وحلفائه، ويغيّب عنا ما يكيده لنا الأسد ونظامه من تخطيط لمؤامرات وفتنٍ، منها مضى ومنها ماهو قادم ليتراكم الفشل تباعا، وبدون أن نفكّر أو نحلل أو نستقرئ طريقاً لمستقبلٍ يجنّبنا مايرسم لنا، وهذا ما يزيد من لوم بعضنا البعض، ناهيكم عن تقزيم أحدنا للآخر وتخوينه، وهي أسهل تهمة متوفرة على كل لسان، وما يزيد الطين بلّة أنّ معظم ما نقوم به ينتهي بلا نتيجة إن لم تكن بكارثةٍ!
ليس يأسا من حراكنا فهو شبه مسلوب الإرادة ولا إضعافاً لمعنوياتنا، ولا تصغيراً لشعب ولقادة ضحّوا، فنحن جزء منه عانى ماعانى لكننا في سبات، فنحن أمّة جديرة بنيل حريتنا، يدرك المقتسمون هذه الجدلية؛ لذا يحدّون من مجموعات حراكنا الثوري المصمّم والمكافح من أجل الديمقراطية، متجنبين بقدر الإمكان الاقتراب من ديمقراطية المنطقة؛ لأنّها ستزيد من فرص استقلال سورية وبناء مستقبلها.
لا تخفي القوى الإقليمية والدولية غاية تحالفاتها السياسية المرتبطة بظهور الثورة، فيقفون وبشكل واضحٍ وتحت حجج متنوّعة في وجه صعودنا وانتصارنا، يدركون أن الثورة التي حافظت على ذاتها وخصوصياتها، رغم كل ما جرى على يد بقايا شرفاء من عسكريين ومثقفين وشعب جبّار، لم يقبل الهزيمة في قرابة ثمان سنوات مضت جديرة بحريتها وإمكانياتها كافية لتحقيق هذا الهدف في الأجواء الديمقراطية، لكن هذه الجدلية بدون تكامل العامل الذاتي ستنجرف لصالح الأعداء ؛ لذا يعملون المستحيل للنخر في حراكنا السياسي، فيتطلب منه (الحراك) إعادة النّظر في نهجه المتبع لحل هذه المعضلة، على الأقل التفاهم والاتفاق على نقاط التقاطع، وهذا بحدّ ذاته الحد الأدنى، فبدونها إمكانياتنا ستظل مشتتة قرارتنا المصيرية تحت أجندات القوى الإقليمية والدولية ، ولن نبلغ غايتنا مهما كانت الأجواء الديمقراطية، بل في حضورها ومع تشتتنا نعطي الأعداء كل المبررات لديمومة استعمارها، وواقعنا الذاتي الجاري تفضحه الحقيقة المرة، وهي أنّنا أمّة إمّا دون سوية ثورتنا، أو في غيبوبة
معظم الحركات السياسية والثقافية في الشعوب الحيّة التي تبحث عن وحدتها وترفع من معنوياتها ، وآخر ما تفكّر به هي الشماتة بالمخالف له من أبناء جنسه أمام الأعداء، ولا تتهاون معهم (الأعداء) مهما قدّموا من المسوغات عند تبييض بشائعهم، أو التغطية على جرائمهم إلاّ نحن؟ ورغم أنهم يدركون أنّ الجاري بينهم هي نتيجة ترسبات إملاءات المربّعات الأمنية البعثية الأسدية، ومن الجدير بهم التخلّص من النّهج المتّبع، إلاّ أنّهم لا يزالون مستمرين على الدروب ذاتها بشكل أو بآخر، تبررها بعض الأطراف بأبجدية الحوارات السياسية مع القوى الإقليمية والدولية.
حراكنا يحتاج إلى تنقية الذّات من الماضي السياسي والفصائلي المشؤوم المبني على جدلية التعامل بين الضعيف والقوي وتبعيتهم لنظام الأسد، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فبالمحصلة يصب الناتج في مصلحته علاقة السيد والمالي، فالحراك الثوري في النهاية غايته التحرر، ولن نحترم ونرقى إلى سوية حوارات مع وزارت أو مؤسسات سياسية دولية، إلاّ إذا ارتقينا بتعاملنا بين بعضنا إلى أبعاد حضارية وديمقراطية، وخلقنا معاً قوة مشتركة تعكس قدرات شعبنا.

أليس غريبا ألا يكون مفكرونا في الثورة كمفكري العالم، ولا أئمتنا المسلمون كأئمة العالم ولا أمتنا كأمم العالم، ولا وطنيونا كوطنيي الآخري، ولاقادة فصائلنا كقادة أي فصيل في العالم، ولاسياسيونا لهم علاقة بالسياسة ولا حتى انتهازيونا كانتهازيي البشر الآخرين، حتى تجار ومهربو البشر لدينا مختلفون، وحتى مهربو وبائعو المازوت استفاد الأعداء منهم أكثر منا فمتى سنستيقظ؟
عندما مارسنا السياسة قدّمنا جهلة القوم الى مؤسساتنا السياسية الممثلة لثورتنا ،فبدل أن ترفع من معنويات أمتها وذلك بحثها للتخلص من الاحتلال ،فمن أولويات ذلك العمل على التقارب بين أطرافها المتناثرة ،عادت بالقهقري في مطالبها إلى درجة التسوّل ،فارتفع مقام الآخرين على حساب تراجعنا ،وهذا صدى سذاجتنا وبساطة تفكيرنا وربّما الحقيقة هي الانتصار الأهم لأعدائنا.
وما حدث لنا في الفترة الأخيرة خير مثال ،بعد أن كنا على كل لسان وكان العالم يهتم بنا وبأخبارنا ،كشعب حر يضحّي من أجل حقوقه على الصفحات الأولى في الصحف العالمية، خسرنا المكتسبات وحلّت بنا الكوارث، وأصبحنا مجرّد خبرٍ في أحسن الحالات، وفقدنا تأييد شعوب العالم، وضاعت الغوطة ودرعا وحلب وغيرهم الكثير،
ثورتنا على قدر ماهي مليئة بصفحات العز والافتخار مليئة بالنكسات والخسائر أو بالأحرى لم ننتصر حتى اليوم، ولهذا ليس لنا وطن وإن كان هناك شيء من هذا القبيل فقد جنى ويجني ثمارها غيرنا، وهي التي أعطتهم القوة اليوم والبارحة وقد يكون غدا ليسودوا علينا وينهبوننا، ليس فقط مادياً بل عزة وثقة بالذات رغم أنّ الثقة بدون معرفة جهالة مثلما المعرفة بدون الثقة جبن، يخلق التردد وهذا بدوره يؤدي إلى القرارات الخاطئة، بل وتؤدي إلى نتائج كارثية أحياناً،
فعلينا أن نعي أنّ نجاح الإعداء لا ينحصر في قدراتهم على تسخيرنا لأجنداته بل في توسيع شرخ الصراع بيننا، ودفعنا لاتهام البعض بالخيانة والعمالة وهي التهمة الجاهزة ، وفي إسقاط بعضنا الآخر في مستنقع التبعية أو التخوين وبدل أن نتحاور ضمن مؤتمرات وإجتماعات على ما أصابنا نلهي الشعب بصراعاتنا ونبعدهم عن معرفة القوى التي تمكنت من تقزيمنا وإستخدامنا كأدوات والغريب أن الشرائح العاملة على تصحيح هذا النهج الخاطئ أو مساعدة الشعب لإيقاظه من سباته يلغى من الجغرافية الوطنية فلا مكان لمن لا يزيد من دوامة التهم والتهجم على البعض وهذا هو الأكسير الذي يموله لنا الأسد بشكل دائم وبدون مقابل
لا شك الأخطاء سادت على مخططات كل من حاول تقديم خدمة وعمل صائب للوطن وفي جميع مراحل التاريخ هذه هي طبيعة الإنسان فليست هنا تكمن الطامة بل في عدم إستيعابنا لتجارب ماضينا وعدم تعلمنا من خساراتنا فمن سيوقظ هذا الشعب ما دامنا كحراك مستمرين في متاهاتنا
الثورة لا تموت ولم تمت بل مات من خرَج عنها في السّجِلات الوطنيّة والتّاريخ قد نُلاحظ تَداعِيات واقعيّة السّلوك الذي انتَهجته القِيادات الكثيرة الذي أدّى إلى الانقسام وأدّى إِلى حالَة التّيه لا يُوجد ثورة مهزُومة أو شُعوب مهزُومة بل يُوجد قِيادات تقُود الثّورات والشّعُوب نحو الهزِيمة وزمناً ثميناً لإرسَاء قَواعد القُوة فِي لُعبة الصّراع مع الاحتلال مُقابل أنانيّتهم ومصَالحهم التّي استَعجَلوا منها قَطف الثّمار بتفكِير الإقطاع السّياسي والعسكري ولِكي نُقيّم بشكلٍ سليم يجب الوقوف على المُقدّمات وليس إِعطاء المُبرّرات والتّعلِيلات للنّتائج
قِصّة المُجتمع الدّولي هُو من عَناوين الخُدعة التي أُصيبت بِها الثورة السورية برغبةٍ مِنها كما هو الحالُ عندَ مريض الانفِصام لا يُوجد شُعوب حرّرها المُجتمع الدّولي من الاحتلال والظّلم بل يُوجد شُعوب فرضَت وُجُودها وحُقُوقها وتفَاعُلها مِن خلال مُقاومتِها فالإتلاف وقبله المجلس الوطني أَهدرَا وقتاً ثميناً وبالتّأكيد أنّهم وضَعوا النّظام السّياسي والمنظُومة الوطنيّة في مأزق وجُرف ولكن من يتحدّثون عن نهايتِه بأيٍّ من السّيناريُوهات التي تتعلّق بالتّوصيات الروسية والإيرانية والدولية والإقليميّة لن يحصُدُوا شيئا وإن كان هُناك حصَادٌ يُذكر فهو أوجاعٌ ومُستقبل مجهُول والسّبيل الوحِيد أن ينتفِض الشّعب ويُحيي الفِكرة وينتفِض ويُغير أوراقَ الّلعبة وأَطرافها وقُواها وعنَاصرها ويوقِف العَبث والفَشل والبِدء في مرحَلة نِضاليّة تختلِف عن سابِقتها وتنفُض هَذا المَاضي مهمَا يُكلّف مِن تضحِيات
مُستقبلٌ غامِض إن لم يكُن كارثي سيُواجه الشّعب السوري باختِلاف الظُروف الكارِثية ومن كَانوا يتحدّثون عن المَشروع الوَطني نقُول لهم لقَد ارتَكبتُم خطأً وخطِيئة ندفع ثمنها الان لأنكم لم تعتمدوا على شعبكم وحقيقة لالوم عليكم فمعظمكم مكلف بمهمة ينجزها على حساب الموت والدمار
أقول لكل حر أنه لتحقيق التقدم لابد من مفاصلة فكرية مع القديم البالي ومع الجديد الخادع، لصناعة هوية مستنيرة بالعقل وبروح حضارتنا وعلينا أن ندرك أن صناعة التقدم معركة دائمة لا تنتهي.
أيها المنتصرون للحرية أن شعلة النور متقدة لكنها تبحث عن عقول نيرة فلا تتركوا السواد يذبح نور العصر الساطع ، عقولكم هي روح الحياة ، نضالكم هو بداية النصر . أيها السوري.

مقالات ذات صلة

USA