• الأربعاء , 28 سبتمبر 2022

خشمان قطو: تاريخ البرية البرازية

البرية البرازية:هي منطقة جغرافية تحدها طريق رودكو شمالا وحدود مدينة الرقة والطبقة جنوبا، كما أنها تمتد من نهر الفرات غربا وحتى منطقة عين عيسى شرقا والتي كانت تسمى بوزانيه قديما.التاريخ:عرفت هذه المنطقة بالبرية البرازية عبر التاريخ، حيث كانت المنطقة تعتبر من مراعي العشائر البرازية السبع ( كيتيكان وشدادان وشيغان وعليدين وديدان والزروار والبيچان ) حيث كان كيتيك يقصدون قسمها الغربي والشداد قسمها الشرقي، بينما كان الزروار والشيخان وعليدين وبيچ وديدان يتمركزون في الوسط حسب الخريطة التي ترونها، وكانت هذه العشائر تشد الرحال وتهاجر مع مواشيها إلى منطقة البرية البرازية بداية فصل الربيع وتقيم هناك حتى نهاية فصل الخريف تقريبا ثم تعود إلى منطقة سهل السروج مع بداية فصل الشتاء، وذلك لوفرة المراعي وغزارة المياه وسهولة رعي المواشي في تلك المنطقة في البرية.حيث كانت لكل عشيرة مكانها المخصص من البرية، وتقوم كل عشيرة بحفر الآبار بغية الحصول على مياه الشرب ولسقاية الماشية، وهو ما عرف لاحقا بحدود تلك العشائر فيما بينها، ولم تقم العشائر البرازية ببناء القرى الدائمة ومأهولة بالسكان والسكن والبقاء فيها هناك، بسبب طبيعة حياة التنقل والهجرة لدى العشائر البرازية آنذاك، واستمرت العشائر البرازية على هذه الحالة ودون تأسيس القرى الدائمة للسكن فيها حتى فترة الأربعينيان القرن الماضي. وقد بقيت منطقة البرية ملكا للبرازية وتحت تصرفها ودون منازع حتى فترة الاحتلال الفرنسي للمنطقة، حينها بدأت قبائل العنزة العربية بالزحف على منطقة البرازية في البرية وبدعم فرنسي وبريطاني آنذاك.التمدد العربي في البرية البرازية:بدأت العشائر العربية بالتوافد إلى بلاد الشام مع انطلاقة الثورة العربية الكبرى ضد الحكم العثماني سنة ١٩١٦م، حيث أتت مجموعات كبيرة من قبائل العنزة إلى ضفاف نهر الفرات وبدعم إنجليزي، ومع دخول فرنسا إلى سوريا سنة ١٩٢٠م، بدأت قبائل العنزة بعبور نهر الفرات من الضفة الغربية والجنوبية إلى الضفة الشمالية والشرقية للنهر، وهنا بدأت الصراعات بين العشائر البرازية والعنزة المدعومة من فرنسا.بدأت قبائل العنزة بالزحف على البرية واقتضمت منها شيئا فشيئا أجزاء واسعة من أراضيها، وبسبب ضغط المستمر من قبل غزاة العنزة، اضطرت العشائر البرازية إلى الهجرة شمالا بسبب قلتهم وبقاء معظم أفراد العشائر البرازية في تركيا بعد التقسيم مما أصابهم الضعف وبسبب الأسلحة القديمة التي كانت بحوزة البرازية، ولم تستطع البرازية الصمود ومواجهة الأسلحة الحديثة التي زودت فرنسا قبيلة العنزة بها.فبدأت قبيلة العنزة بالسيطرة على البرية واصطدمت مع البرازية في عدة مواقع وانتصرت فيها على البرازية ومنها موقعة قرية متين، التي راحت ضحيتها رجلين من البرازية، حيث وقف رجال شيغان شيعليان ومعهم شيغان قالكان بقيادة محمد مصطفى في وجه العنزة وقاوموهم في موقعة قرية متين، وذلك بعد تمركز رجال شيغان شيعليان فوق تلة قرية متين الأثرية، حيث قاموا بإطلاق الرصاص الحي على غزاة العنزة على الرغم من قلة الذخيرة، وأدى ذلك إلى إصابة أحد أحصنة العنزة ومن ثم موته، مما أثار حفيظة مهاجمين العنزة، حيث قام رجال العنزة بالتسلل إلى فوق قمة تلة متين الأثرية ومن جهة الخلف دون أن يشعر رجال شيعليان بهم وبهذه الهجمة، فقتلوا اثنين من خيرة رجال شيغان شيعليان غدرا ومن جهة الخلف، وبعد ذلك انسحب رجال العنزة من القرية واتجهوا شرقا دون الرجعة، وبذلك ختمت سلسلة غزوات رجال العنزة على المنطقة البرازية. هذا وقد تم للعنزة السيطرة على أغلب مناطق البرية البرازية، مما استدعى وجهاء عشيرة برازان على الوقوف معا في وجه تلك الاعتداءات ومواجهة المعتدين. وبعد أن تم للعنزة السيطرة على أغلب مساحة البرية البرازية، فرضوا على رعاة الكرد الجزية مقابل رعي مواشيهم في البرية، وفعلا دفعت العشائر البرازية الجزية للعنزة مقابل المراعي.اجتمع وجهاء العشائر البرازية وهم بصراوي آغا زعيم عشيرة كيتيكان وخليل آغا زعيم عشيرة شدادان وحرشو بك وبوزان بك زعماء عشيرة عليدين أحمد ميلك ونعسو فاطوكه زعيما عشيرة الزروار ومن جانب الشيخان شيخ نوح بوزي واتفقت على ضرورة وضع حد لتجاوزات قبيلة العنزة، ووجه هؤلاء الوجهاء رسالة حازمة إلى زعيم قبيلة العنزة نوري بن المهيدي وخليل حاجم مطالبين فيها بضرورة وضع حد لتمدد العنزة ووقف اعتداءاتهم وبعد رفض وتردد، اتفق الجانبان على النحو التالي:المحافظة على الحدود الحالية بين طرفي النزاع والتي أدت إلى خسارة العشائر البرازية لأكثر من ٩٠% من الأراضي البرية لصالح العنزة وعدم تكرار التعديات والتزام العنزة بالحدود التي رسمها الاتفاق، إلا أن قبيلة عنزة استمرت في التمدد وسيطرت على قرابة أكثر من ٤٠ قرية جديدة آنذاك، ولم يكن باستطاعة البرازية الوقوف في وجه العنزة بسبب ضعفهم واختلافهم وانقسامهم بين الموالاة لفرنسا أو الموالاة للكتلة الوطنية السورية بقيادة الزروار في حماة وعدم اتحادهم فيما بينهم.ومن القرى التي تم توزيعها على العشائر البرازية بعد رسم الحدود وذلك في فترة الأربعينيات القرن الماضي وهي النحو التالي:حيث تم منح جغور غربي وجغور شرقي ودرب التحت شرقي ودرب التحت الغربي لعشيرة عليدين، وبعدها قام حرشو وبوزان شاهين بتوزيع تلك الأراضي الجديدة وغير المأهولة على أبناء عشيرتهم عليدين وميران ومعفان في شيران وحلنج.دامر قابسي ومراسر وكران شرقي وكران غربي أصبح من نصيب عشيرة الزروار، إلا أن الزروار قاموا ببيع كران شرقي وغربي للعرب.كبر رابن وجبل سمعان وسجكلي وبير محلي وهيالة وقينطر وخربة الضبع وخاتونية أصبح من نصيب عشيرة كيتيكان، وقام بصراوي بتوزيع تلك الأراضي على عشيرة كيتيكان، واستثني كيتيك غربي كوباني من الحصص.حم توبك وكورك وصالولكه أصبح من نصيب عشيرة الشداد، إلا أن العرب أرغموا عشيرة الشداد على دفع ثمن تلك القرى، وبذلك اعتبر الحصول على تلك القرى نوعا من عقود البيع والشراء بين العرب والشداد.أما بالنسبة إلى عشيرة شيخان فهي الوحيدة التي حصلت على نصيب الأسد من البرية، بسبب موقع قراها الجغرافي ولأن أراضيها ممتدة أصلا في البرية ولقربها من القرى البرية أيضا.أما عشيرتا ديدان وبيچان فلم تحصلا على الحصص في البرية بسبب ضعفهما آنذاك.ومن القرى البرية التي لا تزال تحمل التسميات الكردية هي:سيكولان وشكيره كاور وكجالا وبيره خار وتخت فيض وقرمي داڤا هوقي وخرابي كيركوو وفيضه سور ودندوشان وباش تابا وجار سوسي وكن عفتار ومحمودلي ….الخ.مسألة بيره أحمده خده:وتعود ملكيتها إلى عشيرة الشيخان، وأطلق عليها اسم بيره أحمدي خده نسبة إلى أحمدي خده من الشيخان واصلان، حيث قام أحمدي خده بحفر البئر وزراعة أراضي تلك القرية، مما نتج عنها نزاعا عشائريا كبيرا، كاد أن يؤدي إلى قتال شرس بين عشيرة عليدين وعشيرة الشيخان ومن وارئها المتحالفين معها عشيرة كيتيكان .الخلفية لأحداث بيره أحمدي خده سنة ١٩٤٨م:قام أحمدي خده بحفر البئر في القرية وزراعة أراضيها، مما استدعى تدخل زعماء عشيرة عليدين أولاد شاهين بك الذين طالبوا بترك القرية لصالح عشيرة بكوات عليدينان، كما أمر البكوات عشيرة عليدين بضرورة فلاحة أراضي قرية بيره أحمدي خده وفعلا تم ذلك، هذا وقد تم رفض طلب البكوات من قبل الشيخان، وقام الشيخان ومعهم كيتيكان بدق طبول الحرب، وكانت الخطة الموضوعة لدى البكوات آنذاك هي ضرورة فتح الطريق من قرية مقتلة في كوباني حتى قرية جغور غربي وشرقي ودرب تحت شرقي وغربي في البرية وربط جميع قرى عشيرة عليدين ببعضها البعض وخلق التواصل الجغرافي فيما بينها، لكي يتجنب رعاة الغنم من عشيرة عليدين المرور عبر أراضي عشيرة الشيخان، مما استدعت هذه الخطة على ضرورة السيطرة على بعض قرى عشيرة الشيخان في المنطقة، ومن هذه القرى الموضوعة في الخطة خان مامد ومنيف وكورمنيف وغيرها من القرى المجاورة.الأحداث:قام حمو خوجة بلم وجمع رجالات عشيرة الشيخان وطالبهم بتسليح أنفسهم تسليحا جيدا بغية التجهيز للمعركة مع عشيرة عليدين تحت قيادة البكوات، واستطاع حمو خوجة توحيد جميع أطياف عشيرة الشيخان تحت إمرته ولأول مرة في تاريخ عشيرة الشيخان الحديث والقديم وطالبهم بالاستعداد لاستعادة قرية بيره أحمدي خده وضرورة طرد عشيرة عليدين من القرى جغور ودرب التحت بغية الحفاظ على بيره أحمدي خده، كما قام بتشيكل تحالف عشائري قوي بين الشيخان والكيتيان، هذا وكان كيتيكان قد قاموا هم أيضا بدق طبول الحرب في قرية كبر رابن تضامنا مع الشيخان وضد عشيرة عليدين.الوقائع:استعد الشيخان للقتال ودقوا طبول الحرب على مدى عدة أيام في قرية بيره أحمدي خده، وتضامن معهم عشيرة كيتيكان واستعدوا للقتال إلى جانبهم، بينما طالب بوزان شاهين وحرجو شاهين أبناء عشيرة عليدين بالتريث، ريثما يسافر إلى حماة لطلب النجدة ويد المساعدة من زروار حماة، كون محسن البرازي كان من الزروار حماة رئيسا للوزراء في سوريا آنذاك، ولوجود علاقة المصاهرة والتزاوج بين البكوات والزروار في حماة، لبى محسن البرازي طلب المساعدة وساعد البكوات في تلك الحادثة، فأمر محسن البرازي بعد أن وصلت إليه الشكوة من آل شاهين والتي تضمنت مزاعم تقسيم سوريا، أمر الحكومة بإرسال فرقة مكونة من ٢٥ عسكري من الجيش النظامي إلى المنطقة على أن يتم إرسال المزيد من الفرق لاحقا، وعندما وصلت هذه الفرقة الصغيرة إلى بيره أحمدي خده، طلب قائد الفرقة من حمو خوجة الاجتماع معه بغية إيجاد حل سلمي للوضع، عندها ذهب حمو خوجة للقاء بقائد الفرقة ونبه رجالات عشيرته على ضرورة التهدئة وعدم التسرع في الهجوم ريثما ينتهي من اجتماعه مع قائد الفرقة، وفعلا اجتمع حمو خوجة بقائد الفرقة وأخبره بأنه وأبناء عشيرته هم أيضا مواطنون سوريون ولهم كامل الحقوق في هذه الدولة، ولكن قائد الفرقة أخبر حمو خوجة بأن الشكوى التي تقدم بها آل شاهين إلى الدولة أكبر بكثير من النزاع العشائري، وتحدث له بأن الشكوى التي وصلتهم تتضمن بأن هدف جمع هؤلاء المسلحين هنا هو التمرد عل الدولة وإقامة كيان جديد في شمالي سوريا واقتطاع جزء من الأراضي السورية وتقسيمها، وبأن هناك فرقة عسكرية كبيرة مكونة من خمسين سيارة عسكرية من الجيش السوري في طريقها إلى المنطقة، وبأن عليه فض النزاع والانسحاب وإلا فإن الجميع سيلقون حتفهم، وفعلا وصلت هذه الفرقة إلى المنطقة، عندها أدرك حمو خوجة بصعوبة الموقف وبعدم مقدرته على الصمود وطلب من أبناء عشيرته الانسحاب ، والتجأ حمو خوجة إلى نوري بن المهيدي زعيم عشيرة العنزة العربية طالبا منه المساعدة والذي لبى طلب النجدة، فتدخل وأسقط الملاحقة القضائية بحق حمو خوجة من قبل الحكومة السورية آنذاك،وقبل التفاوض مع آل شاهين.أجرى حمو خوجة مفاوضات مع آل شاهين وأقنعهم على ضرورة التخلي عن خططهم بالسيطرة على المزيد من القرى المحيطة لبيره أحمدي خده والاكتفاء بقرية أحمدي خده فقط، وتراجع البكوات عن طموحهم بالسيطرة على القرى المجاورة، وتم وضع نهاية لتلك الحادثة التي كادت أن تؤدي إلى مقتل المئات من أبناء المنطقة.وبعد انتهاء البكوات من مسألة بيره أحمدي خده، قاموا بتوزيع أراضي تلك القرية على عليدين قرية حلنج وخراب كورت دون مقابل، كون هؤلاء من أبناء عشيرة البكوات ويعملون تحت إمرة آل شاهين.

مقالات ذات صلة

USA