• الإثنين , 26 سبتمبر 2022

حسين جلبي: معارك الآبوجية, كوباني ومن ثم عفرين والقادم أعظم

شخصياً، لم أنظر يوماً إلى حزب العمال الكُردستاني إلا كما هي حقيقته، أي بوصفه ظاهرة إعلامية دموية من صنع نظام الأسد، إذ لا حزب ولا عمال ولا كُردستان “ولا من يحزنون”، بل مجموعة من المرتزقة المتخلفين الذين التقطهم الأسد يوماً، واختار لهم دستوراً القواعد الصارمة التي تعمل وفقها عصابات المافيا، ووضع لتلك العصابة هدفاً واحداً لم تحد عنه يوماً، ألا وهو خدمة العراب الأسدي صاحب الفضل الأول في وجودها، ويأتي على رأس خدماتها تلك تصفية القضية الكُردية في سوريا، وصرف أزمات النظام السوري خارج البلاد؛ عرفاناً منها بفضله.
من جهتهم حاول كُرد سوريا تجنب شرور تلك المجموعة التي لا تشبههم في شئ؛ والتي راحت تختطف بناتهم وأبنائهم واحداً تلو الآخر، وتلتهم حيواتهم في ظروف مجهولة وراء الحدود، فصمتوا على جرائمها المدعومة من مخابرات الأسد، وراهنوا خلال صمتهم على تغير ما في الظروف أو صحوة لضمير أفرادها الميت، أو قدرة على احتوائها، إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث، وراح أفراد تلك العصابة، التي يتشكل معظمها من الأتراك وبعض الأكراد المعاديين للقومية الكُردية تتمادى أكثر؛ وتستخدمهم وقوداً مجانية شرقاً وغرباً، لا بل وصلت بها الجرأة إلى استخدامهم في معارك ضد إقليم كُردستان، ووضع كل طاقاتها في استنزاف الكُرد حيثما وجدوا.
بعد بدء الثورة السورية عادت بقايا تلك العصابة التركية، التي كان نظام الأسد الأب قد ضحى بها على مذبح تحسين علاقاته مع تركيا نفسها؛ حيث كان وضعها ـ خلال مسعاه ذاك ـ في أحد أدراجه، وطرد زعيمها شر طردة من البلاد، عادت لتقف على قدميها ثانيةً بعد أن استدعاها النظام؛ الذي يمتلك كلمة سرها وجهاز التحكم بها، فدشنت عودتها بالانتقام من كُرد سوريا، وافتتحتها بمجزرة انتقامية من عائلة كُردية في قلب القامشلي، ولتتوالى بعد ذلك مجازرها وجرائمها؛ بصورة أبشع من ذي قبل بحيث يصعب حصرها، وكان أسوأ ما قامت به هو المغامرة بمصير الكُرد ومنطقتهم، من خلال خلق الأعداء واستدعائهم إلى عقر دارهم، حيث أخذت منذ الأيام الأولى للثورة السورية تتحرش ليل نهار، بمناسبة وبدونها بتركيا وأردوغان وهي أعجز عن مواجهته، إذ سبق لها وأن سقطت أمامه في ساحتها، وراحت ترفع صور زعيمها أوجلان، وهي أعجز من فعل ذلك في البلاد التي تحتجزه، وأخذت تبعد كُرد سوريا عن قضيتهم القومية وهمهم الوطني في سوريا، كل ذلك تنفيذاً لمخططات نظام الأسد ورغباته.
لم تخض الجماعة الآبوجية منذ ظهورها الثاني في سوريا معركة ناجحة إلا ضد الكُرد؛ ولم تنتصر إلا على الكُرد ولم تحتل سوى بيوتهم، حيث قتلتهم واختطفتهم وأخفتهم وهجرتهم ونهبتهم واستولت على أملاكهم، واستخدمتهم رغماً عنهم درعاً لصد الهجمات الواقعة على نظام الأسد وجندياً لخوض معاركه، وأبعد من ذلك أداة في أجندات دولية، ورصاصاَ في بنادق جميع اللاعبين الإقليميين والدوليين. وحتى في تلك المعارك لم تحقق انتصاراً كاملاً اعتماداً على قواها، بل كان هناك دوماً من يعينها، من خلال رسم الخطط أو تمهيد الأرض قصفاً جوياً ومدفعياً، لتأتي تلك الجماعة وتستلم الدمار، وترفع فوقه رايتها الصفراء البائسة، وتتراقص بعد ذلك على الجثث.
لكل ذلك تعتبر معركة عفرين الاختبار الأول لحزب العمال الكردستاني في سوريا، والمعركة الحقيقية الأولى التي يخوضها. فقد رفع جميع حلفائه المزعومين أياديهم عنه وتركوا كُرد سوريا، الذين يتلطى الحزب ورائهم في مهب العاصفة، ليواجهوا لوحدهم؛ وبأيادي فارغة وبيوت مكشوفة الطائرات والمدافع التركية. تخلى نظام الأسد عن الآبوجيين رغم استنجادهم به، والدعوة إلى التنسيق معه للدفاع عن عفرين، هذا رغم دفاعهم المستميت عنه طوال السنوات الماضية، وتخلت عنهم أمريكا بعد أن استخدمتهم في إيجاد موطأ قدم لها في البلاد، فقالت بأن عفرين لا تدخل ضمن مناطق نفوذها، وتخلت عنهم روسيا التي استخدمتهم في عدد من المعارك، فسحبت خبرائها من منطقة عفرين، لينكشف بذلك الحزب وحقيقة تحالفاته وعلاقاته التي صدع بها الرؤوس، إذ لا نسمع اليوم صوتاً واحداً في العالم كله يعترض على الهجوم التركي على عفرين، ذلك أن العالم يعتبر الحزب الذي يواجه الأتراك في المعركة حزباً إرهابياً، الأمر الذي يفقد الدفاع عن المدينة التعاطف، كما أن ما يحدث، يدل من جهة أُخرى على أن جميع اللاعبين قرروا التخلص من الأداة التي خدمتهم طويلاً.
لقد أدت عنتريات حزب العمال الكُردستاني الفارغة، وتحرشه المستمر بتنظيم داعش إلى تدمير كوباني وتشريد أهلها، وهاهي عفرين تدفع اليوم ثمن استدعائه المستمر لتركيا إلى المنازلة، بصورة مبالغ فيها لصرف الأنظار عن نظام الأسد. في هذه الأوقات العصيبة، ليس للكُرد الشئ الكثير للمراهنة عليه، فالعالم كله يتفرج على ما يحدث، وميزان القوى يميل لصالح تركيا، التي حضّرت المسرح الدولي جيداً للعملية؛ وتستخدم قوى محلية في تقدمها البري، مثلما كانت تفعل الدول التي استخدمت الحزب الآبوجي في وضع أيديها على الأراضي التي تطهرها بقصفها الجوي، لذلك لا يملك المرء سوى الأمل في حدوث معجزة تؤدي إلى نجاة المدينة من مصير كوباني، التي حررها التحالف الصامت اليوم على ما يجري لعفرين، وبيشمركة كُردستان الذين لن يكون لهم مكان في الدفاع عنها، كما لا يملك المرء سوى الأمل في نجاة ما بعدها في القامشلي وما حولها من ذات المصير، إذ أن من المستحيل المراهنة على قوة حزب العمال الكُردستاني التي انكشفت، والتي ستتسبب في مزيد من القتل والتدمير.
لا شئ إذاً للمراهنة عليه في مواجهة تركيا، فالكُرد اليوم لوحدهم كما كانوا دائماً، وقد فرض عليهم الحزب الآبوجي خوض معركة غير متكافئة، جعل خلالها بناتهم وأبنائهم أهدافاً مكشوفة للسلاح التركي، وذلك بعد أن سبق له وأن أدخلهم في أجندات دولية استنزفتهم، وتهديد الحزب بجعل عفرين مقبرة للأتراك كلام فارغ؛ لا يستند إلى مقومات واقعية للنجاح، وسيودي بالمدينة دون فائدة. الولولة وتغريدات تويتر وبوستات الفيسبوك لن تفعل شيئاً، ولن تغير ميزان القوى قيد أنملة، وعلى الكُرد السوريين مواجهة الحقيقة التي تقول، بأن كل ما حدث لهم، وآخره في عفرين يؤكد بأنهم يدفعون ثمن سياسات سكتوا عنها، جعلت منهم أداة تقتل من أجل الآخرين، ويجري التضحية بهم اليوم بالنتيجة في سبيل الآخرين، والفضل لحزب العمال الكردستاني الذي يستعملهم وقوداً. لكن نظام الأسد يبقى صاحب اليد الطولى وملك اللعبة في الملف الكُردي السوري، فقد سمَّن حزب العمال الكُردستاني ثم استعمله في نطح الجميع، وعندما أنهى الحزب المهمة سلّم الأسد السكين إلى أردوغان ليذبحه بنفسه، ليحافظ هو على شعرة معاوية مع الحزب، فيحصل عليه كلما جرّه.

مقالات ذات صلة

USA