• الأربعاء , 7 ديسمبر 2022

تسويتان فرضتهما حرب وانتفاضة

عبد الباسط سيدا

العربي الجديد:18/10/2022

السرعة التي تمت بموجبها عملية ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل الخاصة ببيان تخوم المنطقة الاقتصادية التابعة لكل طرفٍ في مياه شرقي المتوسط؛ والانعطاف المفاجئ في الأزمة السياسية العراقية، وذلك بعد تعطيل دام أكثر من سنة؛ يدفعان المرء نحو البحث في أسباب هذه التحولات المفاجئة التي كانت قبل أشهر تبدو كأنها في عداد المتعذّر.

فلبنان، كان وما زال، على حافّة الانهيار الاقتصادي، وحتى السياسي، نتيجة التحكّم الإيراني عبر حزب الله بمفاصل دولته، الأمر الذي أدّى، من ناحيته، إلى غياب الدور العربي الفاعل.

هذا إلى جانب انشغال المجتمع الدولي والغرب تحديداً بتفاعلات الحرب الروسية على أوكرانيا، والملف النووي الإيراني.وفي مقدمة الأسباب التي يفكر فيها المرء ضمن هذا السياق، تأتي الحاجة الغربية إلى النفط والغاز بعد قرارات الاستغناء عن الواردات الروسية نتيجة الحرب المشار إليها، والعقوبات التي فُرضت على الاقتصاد الروسي.

كما يُشار هنا، وفي السياق ذاته، إلى نزوع المسؤولين السياسيين في كل من لبنان وإسرائيل نحو تسويق إنجاز قد يساعدهم في تعزيز مواقعهم في مواجهة المنتقدين من المنافسين والخصوم السياسيين في الداخل.

هذا إلى جانب تصاعد حدّة الانتفاضة الشعبية العامة التي تشهدها إيران، وهي الانتفاضة التي انطلقت في محافظة كردستان إثر قتل جهاز أمني إيراني الشابة زينا، مهسا أميني، واتّسع نطاقها لتشمل معظم الجهات الإيرانية، وتجمّعات المهاجرين الإيرانيين في مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي أثار اهتمام الرأي العام العالمي، وأثّر في مراكز القرار، ما دفع الزعماء الغربيين إلى إطلاق التصريحات الداعمة للانتفاضة الإيرانية التي تتسم بمشاركة واسعة من النساء الإيرانيات الشجاعات، وهي الانتفاضة التي تتردّد فيها منذ نحو شهر هتافات تتحدّى أقوى رموز النظام.

ودفع ذلك كله بالنظام المعني إلى الإيعاز لممثله اللبناني بتسهيل عقد صفقة الغاز مقابل صفقة أخرى في مكان آخر على الأغلب. فالنظام الإيراني الذي تقوم سياسته على ثلاثة محاور رئيسة: قمع الداخل وعدم التنازل له بأي شكل.

والتمدّد في الجوار الإقليمي وتخريبه على صعيد المجتمعات والدول. واتباع سياسة المراوغة وعقد الصفقات مع المجتمع الدولي والقوى الإقليمية المؤثرة؛ يدرك أن مساحة المناورة بالنسبة إليه باتت محدودةً نتيجة تصاعد الحنق الشعبي الداخلي، وارتفاع سقف مطالب المنتفضين عليه؛ وكذلك نتيجة تفاقم التذمّر الشعبي في الدول المجاورة التي يتحكّم فيها، خصوصا في لبنان والعراق، حيث كانت المظاهرات والاحتجاجات الشعبية قبل ثلاث سنوات، وهي الاحتجاجات التي طالب المشاركون فيها بوضع حدٍّ للتدخلات الإيرانية التي أنهكت المجتمعات والدول في المنطقة.

وقد كانت المشاركة الشيعية الواسعة في احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019 في العراق إنذاراً للمليشيات العراقية المرتبطة بالنظام الإيراني وواجهاتها السياسية، يؤكد أن ما تعرّض له العراقيون من فقر وحرمان وإذلال لم يعد مقبولاً، فالعراق، رغم ثرواته النفطية الهائلة، يعاني ثلث سكانه من الفقر، وهناك تراجع مخيف في ميدان التعليم والخدمات الصحية على المستويين، الكمي والكيفي.

كما أن نسب البطالة المرتفعة، سيما بين حملة الإجازات الجامعية، تؤدي إلى مزيدٍ من الاختلاطات. هذا في حين أن الفساد المتوحش المنتشر بين السياسيين في الحكم والأحزاب والمليشيات المتنفذة يلتهم كل شيء، ويقطع الطريق على برامج تنموية وطنية عامة، تحصّن العراق دولة ومجتمعاً أمام التدخلات الخارجية، وتضمن للعراقيين جميعاً من دون أي استثناء مقومات العيش الكريم.

ولكن ما يميّز التسوية اللبنانية عن التسوية العراقية، إذا صحّ التعبير، أن الأولى لا تلامس الواقع الداخلي اللبناني، ولن تؤثر في واقع الاصطفافات السياسية الموجودة حالياً؛ وإنما تكتفي فقط بتبشير اللبنانيين بثرواتٍ ما زالت في البحر، في بطن الحوت. وهناك شكوكٌ مشوبةٌ بالحذر لدى غالبية اللبنانيين حول إمكانية إسهامها في تحسين الواقع المعيشي المتهالك نتيجة فساد القوى المتحكّمة بالدولة اللبنانية من المحليين والإقليميين.

ويُشار هنا على وجه التحديد إلى تحالف “الثنائي الشيعي” مع التيار الوطني.

في حين أن التسوية العراقية داخلية بين القوى السياسية العراقية المؤثرة، تختلف في ما بينها من جهة ولائها للنظام الإيراني، واستقلاليتها عنه؛ هذا مع ضرورة عدم تجاهل احتمالية التفاهمات الأميركية الإيرانية بشأن الموضوع العراقي بطبيعة الحال، فهناك قوى عراقية عديدة قادرة على التأثير في الموقف السياسي بقوة جماهيرها، وإمكاناتها العسكرية والتنظيمية، وشبكة علاقاتها الواسعة مع القوى السياسية في الداخل ومع الجوار الإقليمي، وحتى على المستوى الدولي. ويشار هنا بصورة خاصة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني.

كما أن القوى السنية قد تمكّنت، هي الأخرى، من توحيد صفوفها بصورة عامة، وهي تشكّل ضمن ائتلاف السيادة ورقة أساسية في المشهد السياسي العراقي لا يمكن تجاوزها. هذا في حين أن الكتلة الصدرية، رغم كل الضغوط التي مورست على زعيمها، تظلّ كتلة شعبية كبيرة، تحسب لها القوى المتحالفة مع النظام الإيراني ألف حساب.

كما أن الحضور الأميركي في العراق، والاهتمام الغربي به، يحدّان من إمكانية الهيمنة الإيرانية الشمولية على الوضع العراقي. هذا إلى جانب الانفتاح العربي المستجدّ على العراق، والوجود التركي العسكري في بعض المناطق، فكل هذه العوامل تمنح القوى العراقية السياسية غير المندمجة في المشروع الإيراني، وهي قوى مؤثرة، هامشاً أوسع للتحرّك خارج نطاقات الضغوط الإيرانية.

هذا بالإضافة إلى أن من شأن الثروات العراقية النفطية الكبيرة المساعدة على معالجة مشكلات معيشية حيوية كثيرة (مثل عدم توفر الكهرباء، وندرة المياه النظيفة الصالحة للشرب، والمشكلات الكبرى في القطاعين الصحّي والتعليمي) التي يعاني منها العراقيون حالياً، ولكن ذلك لن يتحقّق من دون وجود الحكومة الوطنية الرشيدة النزيهة؛ وقضاء عادل، ومحكمة اتحادية مستقلة تتّخذ قراراتها بعيداً عن أهواء الجهات السياسية الداخلية والقوى الإقليمية وضغوطها.

لقد اختار البرلمان العراقي بعد مباحثات طويلة ومعقدة بين مختلف الجهات السياسية، وتدخلات قوى إقليمية ودولية، رئيساً للجمهورية (عبداللطيف رشيد)، الذي كلف رئيساً للحكومة المقبلة (محمد شياع السوداني).

وهذا ما أعطى بعض الأمل للعراقيين المغلوب على أمرهم، وأسهم في تشكل مناخ من التفاؤل النسبي في الداخل العراقي، وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي. ولكننا لا نذيع سراً إذا قلنا إنه تفاؤلٌ مشوب بالحذر، فالتباينات الموجودة بين القوى السياسية كبيرة، وهناك جهات داخلية وخارجية لها مصلحة في الخلافات والصراعات، بل تعمل على تأجيجها.

بينما الفساد المزمن، الذي التهم أصحابه مليارات الدولارات، مدعومٌ ومحميٌّ بقوى ومليشيات مستفيدة من الفوضى المنظمة التي يعيشها العراق منذ إسقاط نظام صدّام حسين عام 2003. كما أن معالجة المشكلات الدستورية والإجرائية القائمة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، ومنها المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، وقانون النفط والغاز، وميزانية الإقليم، وغيرها من المسائل، تستوجب إرادة جادّة، وثقة متبادلة.

وهي تتطلب معالجة وطنية شاملة، ولن يتحقق ذلك كله من دون القطع مع الضغوط الخارجية التي غالباً ما تكون أذرعها أطرافاً داخلية موالية للخارج، تنفذ ما يُطلب منها مقابل امتيازات في الداخل العراقي.

كما أن مسألة ضبط سلاح الميلشيات، وإخضاعها للقرار السياسي الوطني العراقي، تعدّ من التحدّيات الكبرى التي ستواجه الحكومة العراقية. هذا إلى جانب موضوع الاستقطاب السياسي الذي يستوجب معالجة سببية، لتعزيز الوحدة الوطنية، وبلوغ مرحلة التوافقات الوطنية الحقيقية، لا تلك التوافقات المجاملاتية التي تتمحور غالباً حول تقاسم الغنائم.

بقي أن نقول إن الزلزال المستمر في منطقتنا منذ نحو عقدين كان مركزه العراق، والمنطق السليم يقول إن استقرار الأوضاع في العراق سيؤدي إلى استقرار الأوضاع في الجوار العراقي، خصوصا في سورية التي تعيش راهناً حالة انعدام وزن شمولية، بفعل ممارسات سلطة استخدمت كل أساليب البطش بالسوريين، وقتلت وغيبت وهجّرت الملايين.

وفتحت الأبواب أمام الجيوش والمليشيات، وكل شذّاذ الآفاق، لتبقى. ومعارضة رسمية سياسية هلامية، باتت، بفعل عوامل كثيرة، مجرّد امتدادات لحسابات الدول ومصالحها.

مقالات ذات صلة

USA