• الثلاثاء , 18 يونيو 2024

الشعب السوري وثورته في مركز تقاطع صراع حضاري وجيوسياسي ظالم

محمود الحمزة // الحوار المتمدن2023 / 5 / 8

مواضيع وابحاث سياسيةلم نعد نستغرب مواقف الدول البعيدة والقريبة من قضية الشعب السوري العادلة، حيث قام بثورة شعبية ضد طغمة مستبدة فاسدة، باعت البلاد لمن يحمي سلطتها، وتسببت بكارثة على البلاد امتدت لتصل من خلال تجارة الكبتاغون الى دول المحيط.ما يحدث من تطبيع عربي معيب ولا أخلاقي وهزيل مع النظام السوري يذكرنا بطريقته في الحكم فعندما يكثر الانتقاد لشخص مسؤول في نظام الأسد فانه يكافئه ويرفع مقامه ويسلمه منصب اعلى.

وهكذا حدث مع اشقائنا العرب ولا نعرف الى أي مدى يمكن تسميتهم اشقاء فقد كرموا المجرم على جرائمه بعد موجات هائلة من النقد والمطالبة بحل سياسي يرضي الشعب السوري، قامت الأنظمة العربية بالانصياع لعجرفة النظام الذي ليس فقط لم يتحدث أحد عن محاسبته على جرائمه، بل ذهب المسؤولون العرب اليه يباركون له عودته الى الحضن العربي ولكنه هيهات يعود لأنه غارق حتى اذنيه في الحضن الإيراني. وأكبر دليل ما شهدناه في اوج نشاطات وزراء الخارجية العرب لترتيب عودة الأسد لحظيرة الجامعة العربية يقوم رئيس النظام الإيراني المتوغلة يديه في دماء الإيرانيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين بزيارة وكيله في دمشق ويدخلها دخول الفاتحين للعاصمة الاموية ويحتفل بطريقة طائفية مشينة. فماذا يقول العرب الغيورين على تعريب الأسد وانتشاله من ولائه الفارسي والشيعي.

ولا نستغرب ذلك فأبوه المقبور حافظ الاسد باع الجولان ووقف مع نظام الملالي في حربها ضد بلد عربي مهم هو العراق. وهذا النظام فعل كل اشكال الخيانة والعمالة والاجرام ليس بحق السوريين فقط وانما بحق الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين والاردنيين ودول الخليج وتركيا. وماذا أكثر من ذلك؟لكن ما يحدث لا يمكن فهمه واستيعابه إلا من منظور واسع جيوسياسي وحضاري.

فنظام الأسد منذ بدايته لم يكن طائفيا وحسب وانما مرتبط بقوة بالنظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل وقدم لهم خدمات هائلة، هي السبب ببقائه حتى اليوم. ويعرف العرب ذلك ولكنهم يتوهمون بان يغيروا مثقال ذرة في سلوك الأسد المجرم الخائن.

ونتساءل كسوريين ما سر هذه الهرولة السريعة المجانية الى الأسد بعد هرولة البعض مؤخرا الى إسرائيل؟ ألهذا الحد أصبحت كرامة العرب في الحضيض ولم يعد لهم أي إحساس بأمنهم القومي وبمصادر الخطر الحقيقي عليهم؟ هل يعقل ان يفكر أحد من العرب بأن نظام الملالي المجرم يمكن أن يغير سلوكه أو أن يتراجع عن مشروعه الامبراطوري الفارسي المغلف بغلاف شيعي؟ولكن الحقيقة التي يعرفها العرب أنفسهم هي بأن سوريا لن تستقر ولن تتطور مادام هذا النظام الاسدي قائم فهو أصل البلاء، وسواء اعادوه شكليا الى حضن الجامعة الفاشلة وسواء قدم لهم وعودا كاذبة فهو لن ينفذ أي تغيير في سوريا لأنه يشعر انه المنتصر في الداخل والان انتصر على العرب في الخارج.

فماذا أنتم فاعلون يا عرب؟ والضوع السوري سيكون أسوأ من عام 2011 بكثير لان الذين سيحكمون سوريا هم شبيحة الأسد من سوريا والعراق ولبنان وأفغانستان وإيران وروسيا، الذين ارتكبوا جرائم إبادة بحق الشعب السوري.

إن إيران لا تفكر بالتوسع في المنطقة العربية فقط، وانما تنشط في اسيا وروسيا وامريكا اللاتينية وافريقيا لتنشر التشيع وتشكل ميليشيات تخدمها عند الضرورة، كما فعلت في لبنان واليمن وسوريا والعراق. والعرب المساكين يعتقدون انهم سيثبطون من عزيمة خامنئي ويصبح يفكر بالقدس بدلا من العواصم العربية الأربعة (والحبل عالجرار) التي أعلنها مسؤولون إيرانيون بانها تابعة لطهران.

يقول الموقف الامريكي ان امريكا مع تغيير سلوك الأسد وليس تغييره شخصيا، وكل العالم يعرف أن تغيير سلوكه مستحيل فتعديل ذنب الكلب مستحيل. والحقيقة أن من أبقى الأسد حتى اليوم ليست روسيا وإيران بالرغم من دعمهما للأسد وارتكابهما جرائم مثله بل واشنطن وتل ابيب، اما روسيا وإيران فهما منفذتان لخطط وضعت في واشنطن وتل ابيب. والنتيجة هي بقاء الأسد وانتصار مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي وضعه شمعون بيريز وكونداليزا رايس أما بقية دول المنطقة وروسيا فهم لاعبون منفذون في هذا المشروع وليس مقررين.

ويحق للسوريين ان يتساءلوا لماذا لم تغير الادارات الامريكية سلوك بشار الأسد، ولماذا لم تفعل امريكا شيئا بعد 13 سنة من ارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية واستخدم السلاح الكيمياوي حقيقة ضد شعبه، لكنهم تركوه يسرح ويمرح. بينما العراق لم يكن لديها سلاح دمار شامل وأسقطوا صدام حسين واعترفوا لاحقا انهم كذبوا.

إذا السياسة الامريكية منافقة وكاذبة وهي ليست ساذجة بل يعرفون ماذا يفعلون. صدام الذي كان جادا بموقفه من نظام الملالي ومن إسرائيل اسقطوه بحجة واهية.

بشار الأسد مثبت عليه ارتكاب جرائم كبرى واستخدام الكيماوي ضد شعبه ومع ذلك تركوه بدو ن حساب. ومثال آخر لماذا دمرت إسرائيل المشروع النووي العراقي وتركت البرنامج النووي الإيراني حتى اليوم واكتفت بالشعارات والتهديدات الكاذبة.

وكذلك ما هو تفسير الضغوطات الامريكية وبعض الدول الأوروبية والإقليمية على تركيا لدرجة انهم اجبروها بالتحالف مع روسيا علما انهم يقولون ان روسيا عدوة للغرب، ولماذا ضغطت واشنطن عبر اداراتها المختلفة على دول الخليج واغرقتها بالأزمات، واجبرت بشكل غير مباشر تلك الدول للتوجه بالتعاون مع روسيا، التي تدخلت عسكريا في سوريا وحمت ذيل الكلب من السقوط.ومثال ثالث.

بدل ان تساهم أمريكا بحل القضية السورية قامت بتسليح ودعم ميليشيات كردية يقودها حزب العمال الكردستاني فعقدت الوضع السوري وآفاق حله، وبنفس الوقت عمقت المشكلة بالنسبة لتركيا، علما ان تركيا عضو في حلف الناتو الغربي ولكنها دولة إسلامية، ولا يجوز ان يكون فيها استقرار والا ستصبح خطر على الغرب، المعادي للشعوب العربية والإسلامية.

ولنفس السبب لم يقبلوا تركيا في الاتحاد الأوروبي.يجب ان تعرف شعوب المنطقة بأن هناك قرارا سياسيا استراتيجيا غربيا بمنع المنطقة العربية والإسلامية من التقدم وامتلاك تكنولوجيا حديثة او قوة عسكرية حقيقية (العراق مثال) لأن الصراع الحضاري منذ الحروب الصليبية قائم وهو سياسي وجيوسياسي وله خلفية تاريخية دينية للأسف.

ومن هنا نفهم قرب نظام الملالي الطائفي من المشروع الغربي المعادي للعرب والمسلمين والا لماذا تخلت أمريكا عن الشاه الإيراني علما انه كان شرطيها الأمين والمخلص في المنطقة، لأنه كان نظاما غير طائفي ولم يقم بتشكيل ميليشيات واعمال عسكرية في المنطقة مثلما يفعل نظام الخميني.

ان ما فعلته إيران من فوضى وتدمير وازمات في سوريا والعراق واليمن ولبنان كانت تحلم به إسرائيل والتي عرفت ان الحروب ليست الطريق الوحيد للتغلب على العرب بل هناك طرقا ناعمة وخبيثة. وحصل التحالف التاريخي بين النظام الصهيوني والنظام الفارسي الشيعي تحت رعاية المحافظين الجدد المتعصبين دينيا وحضاريا ضد العرب والمسلمين.

ما حدث في سوريا من تغيير ديموغرافي كان بأوامر أمريكية إسرائيلية وهذا يتقاطع مع مصالح الروس والإيرانيين.

ومن الذي تضرر أكثر شيء من هذا التغيير الديموغرافي؟ طبعا العرب والمسلمين السنة في سوريا وقبلهم تم تدمير العرب والمسلمين السنة في العراق واليوم حاصروا العرب المسلمين والسنة في لبنان واليمن.أليس ذلك دليل على تقاطع المشروع الصهيوني العالمي والامريكي والإيراني بقيادة الملالي، وذلك ليس بعيدا عن طموحات الروس في إعادة امجاد الامبراطوريات السابقة القيصرية الروسية الارثوذكسية او السوفيتية.

حصيلة ما نشهده من مواقف عربية خذلت الشعب السوري المطالب بكرامته وحريته يؤكد عداء الأنظمة العربية للحرية والكرامة وانخراطها شاءت ام ابت في المشروع الصهيوني الأمريكي الإيراني وسيكون على حساب شعوبهم ومستقبلهم.

قد لا يعجب كلامي وتحليلي بعض السوريين او العرب او غيرهم ، ولكنني الفت انتباهكم الى ما يحدث في أوكرانيا من دعم غربي هائل بكافة الوسائل لتدمير القدرات الروسية ومن ثم تقسيمها من خلال اغراقها في وضع اقتصادي وسياسي ومالي صعب نتيجة عقوبات غربية كبيرة وهذا يجري عن طريق حرب طاحنة مدمرة للشعبين الاوكراني والروسي (ولا استطيع ابداء الرأي كاملا حول الوضع في أوكرانيا لان ذلك قد يتسبب بسجني في روسيا 15 سنة).

دمروا العراق عسكريا وسلموها لإيران لتدمرها اقتصاديا ومجتمعيا ودمروا اليمن بتشجيع الحوثيين الذين يسعون للهيمنة على اليمن او تقسيمه وفق الإرادة الإيرانية، ودمروا لبنان بان أفشلوا الدولة بسبب هيمنة حزب الله على كل شيء في البلاد، ودمروا سوريا حيث إيران تسيطر على مفاصل الدولة والاقتصاد.

وكلنا نعرف كيف قامت الثورات المضادة، التي تدعمها دول عربية ودولية بإفشال كافة ثورات الربيع العربي.ولكن حسابات الشعوب غير حسابات الأنظمة المهترئة التي تبحث فقط عن استمرارها في السلطة.

فرب ضارة نافعة فلن يسامح التاريخ ولن تنس الشعوب من طبع مع الأسد ونسي دماء مئات الالاف من السوريين وعذاباتهم وجرائم الأسد بحقهم. هل هم مؤمنين حقاً، وكيف يبررون الوقوف مع الظالم ضد المظلومين؟ويبقى الأهم وهو ان يفكر السوريون بمستقبلهم وان يرون الواقع ويعرفون انه لا صديق لهم غير أنفسهم.

ويجب إيجاد مخرج من هذا الواقع المرير من خلال شق طريق مستقل بعيدا عن هياكل المعارضة الانتهازية الفاشلة وبعيدا عن التبعية للقوى الخارجية.تحية اكبار واجلال لروح شهداء الثورة السورية التي ستبقى جذوتها مشتعلة في قلوب الاحرار

والخزي لكل من ساهم في بقاء الأسد المجرم او يساهم اليوم في تلميع صورته وإعادة تأهيله ونسيان الشعب السوري الذي قدم الغالي والرخيص من اجل كرامته.

مقالات ذات صلة

USA