• الجمعة , 2 ديسمبر 2022

الحل السياسي طريق النجاة الوحيد الأمن الغذائي في سوريا يتجه نحو الانهيار وإحصائيات تنذر بكارثة

حسام محمد //القدس العربي:25/9/2022

تشتد الأزمات في عموم سوريا من الغذائية إلى الاقتصادية مع استمرار انهيار القدرة الشرائية للسوريين وتدني قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية، علاوة عن البطالة وارتفاع الأسعار، أدت إلى إنهاك المواطن وتكريس حالة الفقر العامة التي جعلت سوريا تتذيل قائمة أفقر دول العالم. معاناة يومية تزداد آلامها مع كل وجبة طعام يتم التحضير لها، أو الحاجة الماسة لأي من مستلزمات الحياة اليومية خاصة مع اقتراب فصل الشتاء وعودة السنة الدراسية، وهي أوضاع جعلت نسبا كبيرة من الشعب السوري ترغب في الهجرة الطوعية من البلاد بعد مواسم من التهجير القسري والنزوح الداخلي جراء العمليات العسكرية للنظام السوري والقوى الداعمة له.

نصف الشعب يعاني

وأورد برنامج الأغذية العالمي أن 12.4 مليون سوري يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائي، وهي زيادة بمقدار 4.5 مليون عن العام الماضي وحده وأعلى رقم تم تسجيله على الإطلاق، حيث أدى النزاع، والنزوح، والانكماش الاقتصادي الحاد، وانخفاض قيمة الليرة السورية إلى زيادة الضغوط على الأسر التي تكافح الآن من أجل تغطية تكاليف توفير الاحتياجات والسلع الأساسية.

البرنامج أشار أيضا إلى أن 1.3 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الشديد، 6.8 مليون شخص، نزحوا داخلياً، حيث أدى التأزم المستمر للأوضاع في سوريا، إلى استنفاد أصول المجتمع والقضاء على سبل كسب العيش وتآكل قدرة الأسرة والمجتمع على الصمود، وتعطلت النظم الغذائية بشدة في العديد من المناطق، مما أدى إلى انتشار انعدام الأمن الغذائي والحاجة إلى المساعدة الغذائية.وقال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي ديفيد بيزلي: «عندما نقول إن الوضع في سوريا ينذر بالخطر فإن هذا لا يعكس الواقع السيء.

فالحقيقة المفجعة لملايين الأسر السورية هي أنهم لا يعرفون من أين تأتي وجبتهم التالية».وأضاف: «يجب على المجتمع الدولي أن يدرك أن عدم اتخاذ إجراء فوري الآن سيؤدي حتمًا إلى مواجهة السوريين لمستقبل كارثي. إنهم يستحقون دعمنا الفوري وغير المشروط».

في حين تُظهر بيانات عام 2021 أن واحدًا من كل ثمانية أطفال في سوريا يعاني من التقزم، بينما تظهر الأمهات الحوامل والمرضعات مستويات قياسية من الهزال الحاد. وتشير كلتا الحقيقتين إلى تداعيات صحية وخيمة ستظهر على الأجيال القادمة.

أين موارد سوريا؟

سوريا من وجهة نظر المستشار الاقتصادي د. أسامة قاضي، باتت عبارة عن ثلاث مناطق نفوذ مقطعة الأوصال، كما أن مواردها الاقتصادية مستباحة ومهدورة وتتعرض لسوء إدارة منذ استحكام حزب البعث على كل الحكومات المتعاقبة على مدى خمسة عقود خلت.

ولكن ما بعد عام 2011 ساءت الأوضاع الاقتصادية أكثر، بعدما حرمت الخزينة من موارد 14 محافظة في البلاد، إذ كانت سوريا تنتج 4 ملايين طن من القمح سنويا، ولكن سلة الغذاء السورية «الشمال الشرقي» في دير الزور والحسكة إضافة للرقة، باتت تحت سيطرة وإدارة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في منطقة النفوذ الأمريكي، وهو ما أدى إلى حرمان السوريين من الموارد الغذائية، خاصة القمح، وعوائد النفط المتوفرة في المنطقة.

فضلا عن التدمير الذي طال حقول النفط والبنية التحتية جراء سياسة النظام السوري والدول الداعمة لها من أتباع سياسة الأرض المحروقة، وهو ما ساهم في فقدان كميات كافية من القمح، لذلك اضطر النظام إلى استيراد القمح من الخارج أو الاعتماد على تهريبه من مناطق نفوذ الجيش الأمريكي عبر القوى المحلية التابعة له.

وقال القاضي لـ «القدس العربي»: خزينة الدولة السورية حُرمت من موارد النفط التي كانت تشكل ثلث ناتج الدخل القومي، وهو ما ساهم أيضا في فقدان المحروقات واضطرار النظام إلى استيرادها، علما أن الناتج المحلي واليومي من المحروقات كان 324 ألف برميل يوميا، وهي كمية كانت في السابق، حيث إن الاستهلاك اليومي 224 ألف برميل، وفائض قدره 100 ألف برميل يوميا للتصدير.

لكن اليوم، النظام السوري لا يضع يده إلى ما قدره 8- 10 آلاف برميل يوميا، وفي أحسن الأحول قد يصل إنتاجه اليومي إلى 20 ألف برميل، بالإضافة إلى ما يدخر من خلال الاعتماد على التهريب من شمال شرق سوريا عبر شركة «القاطرجي» وسواها، بالتعاون مع الإدارة المتواجدة هناك، لذلك ليس من المستغرب وجود حاجة للقمح أو المحروقات، فما يطلبه المستهلكون أكبر من المتوفر واقعيا، وذلك بسبب تقطيع أوصال سوريا.

أما في الشمال الغربي في سوريا، وكذلك شمالها الشرقي، فالأزمات كثيرة والأوضاع الاقتصادية سيئة، فالقوات المتواجدة هناك لا يمكن الاعتماد عليها في تحقيق أي نمو اقتصادي أو تلبية حاجيات المستهلكين.

أسباب الانهيار

المستشار الاقتصادي، قال لـ «القدس العربي»: من أهم العوامل التي أدت إلى إحداث نقص هائل في الموارد البشرية، تكمن في تهجير ونزوح أكثر من 13 مليون سوري جراء الحرب التي أدارها النظام السوري والدول المتحالفة معه، حيث إن جيش النظام دمر المدن وأجهز على مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية جراء تسميم التربة من كثرة القنابل والصواريخ، خاصة في أرياف المحافظات.

هذه الحرب التي استخدم فيها النظام السوري كافة أنواع الأسلحة، أدت إلى إحداث نقص حاد في الموارد البشرية والموارد الزراعية معا، بالإضافة إلى عدم وجود تعاملات بين الشمال الشرقي والشمال الغربي أو مع منطقة النظام، إلا في حالات قليلة.كما أن أجواء الصراع المحموم تقتل الصناعة والتجارة والزراعة وكل الثروات الباطنية والطاقة في سوريا، فضلا عن إن روسيا وإيران تسيطران على معظم الثروات السورية، وتستثمرها من مرافئ، وموانئ، ومناطق زراعية، وفوسفات.

أما الباحث السوري رشيد حوراني رأى من جانبه، أن أهم أخطار الأمن الغذائي التي تحيق بالسوريين اليوم، تعود لعدة عوامل، بعضها ذاتية وأخرى موضوعية تتعلق بمخاطر الأمن الغذائي كانتشار الجفاف والتغيرات المناخية، والحرائق التي ضربت المحاصيل الاستراتيجية خاصة في السنوات الأخيرة، وتراجع المساحات الزراعية.

حيث أصبحت سوريا، جزءا من منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من تهديد في أمنها الغذائي لأسباب تتعلق بعدم الاستقرار.

أما العوامل الموضوعية تتعلق بالحرب الدائرة في البلاد، وعدم مراعاة أطراف الصراع للمحاصيل أو البنى التحتية للزراعة، فقد شاهدنا مؤخرا كيف أن قوات النظام السوري تعمدت إتلاف المحاصيل الزراعية في مدينة طفس جنوب سوريا.

هل من حلول إسعافية؟المستشار الاقتصادي أسامة القاضي، أشار إلى عدم وجود حل حقيقي إلا بحل سياسي شامل أو صفقات سياسية تنهي هذه الحرب، بحيث يكون هناك استقرار، حتى يستطيع الشعب العودة إلى منازلهم والعودة إلى مزاولة أعمالهم بعد تعويضهم عن خسائرهم.

في الواقع الحالي، هناك 93 في المئة من الشعب تحت خط الفقر، أما البطالة لم يعد لها معنى للتعريف بها في سوريا، فعلى سبيل المثال، راتب رئيس الوزراء لدى النظام 240 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل أقل من 50 دولارا تقريبا، أي هو ذاته تحت خط الفقر.

وقال المتحدث: أما في حال الموظف أو العامل براتب 100 ألف ليرة، وهو رقم لم يعد له قيمة مع انهيار الليرة السورية، لذلك لم يبق في البلاد سوى طبقة الفقر وطبقة في قعر الفقر، أما من تعتبر أحوالهم من الجيدة في البلاد فهي لا تتجاوز ما نسبته 2-3 في المئة، وهم غالبا يكونون مقربون من النظام أو تجار حروب، أو من أوضاعهم جيدة سابقا، في حين أن الطبقة الوسطى باتت معدومة كليا.

واتفق الباحث حوراني مع رؤية المستشار الاقتصادي القاضي حول ضرورة تسريع الحل السياسي في سوريا، فهو الطريق الأفضل لتأمين القيام بحزمة كاملة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، ودونما ذلك ستبقى جهات السيطرة تعتمد على ما تؤمنه من الاقتصاد الأسود وتعمل على تنميته. معللا ذلك برغبة السواد الأعظم من الشعب في مختلف المناطق بالهجرة من سوريا، جراء الأحوال الاقتصادية المنهارة التي وصلوا إليها، وإن استمرار هذا الحال من شأنه أن يساعد على تحقيق ظاهرتين الأولى التغيير الديموغرافي في سوريا، وذلك تسعى إليه بعض الدول المتدخلة كإيران.

والثانية أن تطفو على السطح ظواهر اجتماعية تتعلق بزيادة نسب الفقر أو عزوف الشباب عن الزواج وانتشار العنوسة، حيث دلت دراسة صدرت مؤخرا أن نسبة العنوسة في سوريا وصلت إلى 70 في المئة، حسب آخر بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية في حكومة النظام السوري.

التهجير والانهيار الاقتصادي

وحول الأسباب الاقتصادية والغذائية التي أدخلت السوريين في نفق التهديد الغذائي الحقيقي، فقال الباحث رشيد الحوراني لـ «القدس العربي»: اتجهت أطراف الصراع لتخصيص أكبر نسب من الميزانيات لخدمة المجهود الحربي، بالإضافة إلى تعطل الموارد الاقتصادية للبلاد من زراعة وثروات باطنية، وعدم وجود خطط تنموية مدروسة يتم العمل على التخطيط لها وتنفيذها من قبل جهات علمية، انما اكتفت تلك الجهات بالحلول الإسعافية.

وكذلك تأثرت سوريا بالأحداث العالمية، منها على سبيل المثال الحرب الروسية على أوكرانيا، وأزمة الغذاء العالمي التي نجمت عن ذلك، وعدم توزيع الموارد السورية بشكل عادل، كما أن لتأثير الحرب على الزراعة أهميةً خاصةً لأن القطاع هو مورد الدخل الرئيسي لنسبة كبيرة من السكان.

كما أن اختلال التوزيع السكاني وعمليات التهجير التي قام بها النظام أخرجت الكثير من اليد العاملة في مجال الزراعة من العمل، ونلاحظ كيف ينشئ القاطنون في المخيمات مشاريع زراعية في مخيماتهم تتناسب ومكان إقامتهم.

في حين أرجع حوراني الأسباب التي أدت إلى تدني القدرة الشرائية للسوريين من موالين ومعارضين إلى التضخم الذي أصاب الليرة السورية، وعدم وجود خطط اقتصادية تتصف بالعادلة المستدامة، واعتماد السوريين على الدول الداعمة، حيث نرى كثرة المنتجات الإيرانية أو التركية في الأسواق السورية.

بالإضافة إلى اعتماد السوريين على المساعدات الدولية أيضا، وانتشار ظواهر اقتصادية من شأنها تدمير الاقتصاد المحلي كالتهريب من وإلى سوريا.

الشمال السوري بخطربالتزامن مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدات الإنسانية في الشمال السوري الخاضع لسيطرة المعارضة السورية إلى أكثر من 3.7 مليون نسمة، وفق ما نشره فريق «منسقو الاستجابة» وهو ما يشكل 85 في المئة منهم من القاطنين ضمن المخيمات.

إضافة إلى الارتفاع المستمر في أسعار المواد والسلع الأساسية في المنطقة، يضاف إليها تزايد معدلات البطالة بين المدنيين بنسب مرتفعة للغاية وصلت إلى 85 في المئة بشكل وسطي.

إذ أن أكثر من 92 في المئة من العائلات النازحة والمهجرة غير قادرة على تأمين مواد التدفئة للشتاء المقبل، في حين ارتفعت أسعار مواد التدفئة مقارنة بالعام الماضي بنسبة 250 في المئة كنسبة وسطية لمواد التدفئة المختلفة.

علماً بأن 79 في المئة من العائلات لا يتجاوز مصدر الدخل لديها 50 دولارا أمريكيا شهرياً، وبالتالي فإن الحصول على مواد التدفئة أمر صعب المنال.

فيما يسعى ما نسبته 61 في المئة من إجمالي العائلات في شمال غرب سوريا، وفق ذات المصدر، إلى تخفيض الاحتياجات الأساسية وخاصةً الغذاء في محاولة يائسة للحصول على التدفئة لهذا العام.

مقالات ذات صلة

USA