• الإثنين , 17 يونيو 2024

الاستثمار في “داعش

عمر كوش /موقع تلفزيون سوريا

أثارت عملية استهداف ومقتل محمد سعيد عبد الرحمن المولى (أبو إبراهيم الهاشمي القرشي)، زعيم تنظيم الدولة “داعش”، العديد من التساؤلات حول توقيتها وحيثياتها، وممكنات توظيفها واستثمارها سياسياً، من قبل أطراف سياسية عديدة، وخاصة إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، في ظل أحاديث حول حاجتها إلى تحقيق إنجاز ما، سواء على الصعيد الداخلي أم على الصعيد الدولي.

وتزامنت العملية الأميركية مع نشوب توترات وأزمات دولية وإقليمية ومحلية، وارتفاع منسوب حملة التهويل والتبشير بعودة خطر التنظيم في المنطقة، في ضوء تواتر هجمات داعش في كل من سوريا والعراق، إذ جاءت العملية بعد انتهاء الهجوم الكبير الذي شنه عناصر من داعش على سجن الصناعة، الكائن بحي غويران في مدينة الحسكة السورية، وتمكنوا خلاله من اقتحام السجن والسيطرة عليه وعلى بعض النقاط والمواقع المجاورة له، لعدة أيام، كما تمكنوا من تهريب عدد من السجناء، بينهم عدد من قادة في التنظيم، الأمر الذي استدعى تدخل القوات الأميركية الموجودة في سوريا وتوجيهها ضربات جوية لعناصر التنظيم، إضافة إلى تقديمها إسناداً عسكرياً على الأرض لعناصر قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، من أجل تمكينهم من إعادة سيطرتهم على السجن، وبالتالي، فإن الإدارة الأميركية أرادت من عمليتها العسكرية أن تشكل رداً سريعاً ومباشراً على عملية اقتحام سجن الصناعة، لذلك كان الرئيس الأميركي، جو بايدن، في انتظار نتائجها كي يعلن عن تمكن القوات الأميركية، وبناء على توجيهاته، “من تنفيذ عملية ناجحة لمكافحة الإرهاب في شمال سوريا لحماية الأميركيين وحلفائهم، وجعل العالم مكاناً أكثر أمناً”، معتبراً أن قتل القرشي يوجه رسالة قوية إلى قادة التنظيمات الجهادية في العالم، ومتوعداً بأن تظل الولايات المتحدة الأميركية ملتزمة بالحرب على الإرهاب، بالرغم من انسحابها من أفغانستان في آب/ أغسطس الماضي

لا تقتصر التوظيفات السياسية والاستثمار في داعش على الولايات المتحدة فقط، بل تطاول قوى أخرى دولية وإقليمية ومحلية عديدة

ويبدو أن بايدن أراد توظيف العملية بغية تحقيق مكاسب منها في اتجاهين، الأول داخلي، يتعلق بتأكيد التزامه بمحاربة الإرهاب، وذلك في محاولة استغلال مخاوف الرأي العام الأميركي منه، بوصفه يشكل تهديداً عاماً، وبما يصب في خانة توظيف العملية ضد داعش في محاولة لكسب بعض أصوات الناخبين الأميركيين، وذلك في سياق الاستعدادات لانتخابات التجديد النصفي المقبلة للكونغرس الأميركي، بالرغم من أن تهديد داعش لا يحتل موقعاً في سلم اهتمامات الناخب الأميركي.

أما الاتجاه الثاني، فهو خارجي، يخص حرص الإدارة الأميركية على الظهور بدور قيادي في التصدي للإرهاب والحفاظ على الأمن الدولي، وبما يُكسب سياساتها العالمية طابعاً أخلاقياً وقيمياً، بوصفها حريصة على الأمن العالمي، إلى جانب أنها أرادت توظيف هذه العملية للتغطية على فشلها الذريع في أفغانستان، وانسحابها المتسرع الذي أتاح المجال أمام عودة حركة طالبان للسيطرة سريعاً على حكم أفغانستان، وبالتالي، تأمل في أن تُعيد العملية شيئا من ثقة حلفائها إليها، وذلك بعد أن بات ينظر إليها بوصفها حليفاً غير موثوق به.

ولا تقتصر التوظيفات السياسية والاستثمار في داعش على الولايات المتحدة فقط، بل تطاول قوى أخرى دولية وإقليمية ومحلية عديدة، تتسع مروحتها لتشمل كلاً من نظام الأسد والروس والإيرانيين، فضلاً عن ميليشيات قسد وميليشيات الحشد الشعبي في العراق وسواها، وخاصة بعد الهجوم الذي شنه داعش على ثكنة عسكرية في مدينة ديالى العراقية، قتلوا خلاله 11 جندياً عراقياً، ثم تمكنوا من الفرار والاختفاء، وارتفعت في إثره أصوات القوى الموالية لإيران التي قادت حملة تهول وتبشر بعودة خطر داعش في العراق.

وأثارت زيادة وتيرة عمليات داعش مؤخراً تساؤلات كثيرة حول ملابساتها وممكنات استثمارها وتوظيفها سياسياً من قبل الأطراف الخائضة في دماء السوريين والعراقيين، حيث يحضر نظام الأسد بوصفه المستفيد الأكبر من عمليات داعش وسواه من التنظيمات الإرهابية، وذلك بعدما استثمر فيها كثيراً، سواء عبر انسحاب جيشه من بعض من المناطق لتسهيل سيطرتها عليها، أم من خلال إطلاق سراح شخصيات متشددة من سجونه بعد اندلاع الثورة السورية، وأصبح بعضهم قادة لتنظيمات متشددة، كأحرار الشام وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وداعش وغيرها.

غير أن تواتر عمليات داعش، إضافة إلى تلك التي تستهدف عناصره، في كل من سوريا والعراق يستلزم قراءة متأنية، تنظر فيما وراء هذه العمليات وحملات التهويل والتبشير بعودته مجدداً، وتأخذ في حسبانها القوى المستفيدة منها، ورهانات وحسابات القوى المحلية المسيطرة على الأرض، وحيثيات الاستثمار والتوظيف السياسي لها، مع الإقرار بأن الأوضاع الميدانية الراهنة في كل من سوريا والعراق، تشي بانتفاء إمكانية أن يسيطر التنظيم على أي قطعة من الأرض في أي منهما، وأن عملياته تأتي بعد تلقيه ضربات عسكرية قوية من طرف قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وميليشيات قوات سوريا الديمقراطية، أفضت إلى خسارته آخر معاقله في منطقة الباغوز في آذار/ مارس عام 2019، وإعلان أكثر من طرف دولي ومحلي عن القضاء على التنظيم والانتصار عليه في كل من سوريا والعراق، الأمر الذي أجبر داعش على العودة إلى تكتيكاته وأساليبه القديمة، التي كان يتبعها قبل إعلان “خلافته”، وسيطرته على المناطق الممتدة من محافظة الموصل العراقية إلى محافظة الرقة السورية، حيث تؤكد العمليات التي قام بها مؤخراً، ليس فقط على قدرته على القيام بشن هجمات كبيرة، بل على تراجع قوته، خاصة بعد الخسائر الكبيرة التي مني بها في عملية سجن الصناعة، وأعقبها مقتل قائده.

تشكل عمليات داعش في العراق فرصة لإيران والقوى الموالية لها، وخاصة ميليشيات الحشد الشعبي، لاستعادة سطوتها، ومن أجل خلط الأوراق

ويحضر الاستثمار السياسي والميداني لعمليات تنظيم داعش من قبل قوى النفوذ الدولية في كل من سوريا والعراق، وذلك بعد أن وصلت الأمور إلى ظهور توازنات ميدانية غير مرضية لكل من إيران وروسيا، وفي وقت افتقدت فيه القوى المسيطرة على الأرض، ممثلة بميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ومخرجاته الأخرى في سوريا والقوى الموالية لإيران في العراق ممثلة بميليشيات الحشد الشعبي وسواها، الوظيفة التي أنشئت من أجلها، وهي محاربة تنظيم داعش،

وبالتالي تشكل عمليات داعش بالنسبة إليها الذريعة التي تمكن هذه الميليشيات من استعادة مكانتها، كونها تشكل الفرصة السانحة لاستدرار مزيد من الدعم الأميركي والدولي للإدارة الذاتية وميليشيات قسد، ولتذكير العالم بخطر التنظيم، وبأنها القوة التي حققت نصراً حاسماً عليه، في حين تشكل عمليات داعش في العراق فرصة لإيران والقوى الموالية لها، وخاصة ميليشيات الحشد الشعبي، لاستعادة سطوتها، ومن أجل خلط الأوراق، وذلك بعد خسارتها مواقعها التي كانت تحتلها قبل الانتخابات البرلمانية، إضافة إلى توظيفها عمليات داعش لعرقلة تشكيل حكومة عراقية جديدة لا تحتل القوى الموالية لإيران موقع الصدارة فيها.

غير أن المشكلة الأساس هي أن الاستثمار والتوظيف في داعش وسواه يزيد من هول الكوارث التي أصابت السوريين والعراقيين، وهو ما تسعى إليه القوى الموالية لإيران في العراق ونظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين في سوريا، وذلك في ظل غياب أي مشاركة دولية أو أممية من أجل الدفع باتجاه حلّ ينهي الأسباب التي أفضت إلى ظهور داعش وغيره من التنظيمات المتشددة، وأهمها الأسباب السياسية والاجتماعية، لأن الحل الأمني والعسكري وحده لن ينهيها.

مقالات ذات صلة

USA