• الإثنين , 26 سبتمبر 2022

إبراهيم العلوش : فرنسا الغاضبة

فرنسا غاضبة من جريمة قطع رأس معلم التاريخ من قبل مراهق شيشاني، فرنسا غاضبة من ردود الفعل غير المتوقعة على الرسوم الكاريكاتيرية ضد النبي محمد التي نشرتها صحيفة “شارلي إيبدو”، فرنسا غاضبة وباتت شبه موحدة خلف اليمين الذي يُخرج كل كنوزه الاستعلائية ضد الآخرين.وبعد التصريح العنصري للشيوعي الأخير ميلانشون، النائب في البرلمان، ضد الشيشان في فرنسا، ردت نائبة في البرلمان الفرنسي بغضب عبر تلفزيون “فرانس أنفو”، لماذا يسمع الجميع كلام ماري لوبان زعيمة اليمين المتطرف، ويفرشون لها البساط الأحمر ويسترضونها بتصريحاتهم؟

الغاضبون يرددون مع الرئيس الفرنسي أن قيم الجمهورية في خطر، ولن نتراجع أبدًا أمام الانفصالية الإسلامية، ووصول الجريمة إلى قاعة الصف بهذا الشكل الشنيع هو أكبر تهديد لحرية التعبير وللصحافة التي لم توفر الأديان الأخرى ولا الأحزاب والأفكار والثقافات الأخرى من الاستهزاء.العالم الإسلامي غاضب من إعادة نشر الرسوم المسيئة، وإعادة عرضها على بعض المباني الفرنسية بشكل استفزازي ولا يراعي مشاعر الآخرين، خاصة أن تركيا تصدرت مشهد العداء ضد الرئيس الفرنسي على خلفية مشاكل كبيرة تحصل بين فرنسا وتركيا حول حقول الغاز في شرق المتوسط، وحول ليبيا، وحول تمويل الجوامع في فرنسا من قبل الحكومة التركية وسيطرتها على الرأي الإسلامي في الداخل الفرنسي مع دول أخرى، مثل المغرب والجزائر وإيران وغيرها.العالم العربي غاضب من فرنسا قبل هذه المأساة، بسبب وقوفها مع إيران وسكوتها عن العدوان الذي تمارسه إيران في سوريا ولبنان واليمن، فالاتحاد الأوروبي، وفرنسا ضمنه، ظل على علاقة وديّة مع إيران حتى بعد أن وقفت الإدارة الأمريكية بحزم ضد الغطرسة الإيرانية، وضد جرائمها الخطيرة في سوريا التي أرعبت الشعوب العربية قبل الحكومات، فإيران المدعومة من الاتحاد الأوروبي تستعمل اسم الرسول وآل الرسول في التعذيب والتهجير في سوريا، وتستعمله لتفكيك دول الخليج والتفرقة بين شعوبها، وهي التي صنعت دويلة “حزب الله” الفاشية في لبنان، وهي تمزق اليمن بلا رحمة مثل أي دولة استبدادية لا يهمها إلا أهدافها التي رسمها حكامها لها، منذ إعلانها كدولة دينية طائفية في عام 1979.فرنسا غاضبة من فشل زيارتي الرئيس الفرنسي إلى لبنان، وعدم تمكنه من إجبار الأطراف اللبنانية على الاتفاق وفق نهج جديد أعلنه الرئيس الفرنسي في زيارته الأولى بعد انفجار مرفأ بيروت، في آب الماضي، التي استعادت فيها فرنسا دور الأم الحنون مع لبنان، لكن الأمريكيين سحبوا البساط من تحت أرجل الأم الحنون، وأعلنوا بدء مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل بعدما خنقت العقوبات الاقتصادية الأمريكية “حزب الله” وحليفته إيران، بالإضافة إلى إفلاس البنوك اللبنانية.فرنسا غاضبة أيضًا من تساقط مستعمراتها القديمة وخروجها عن الفلك الفرنسي وآخرها (مالي)، التي حصل فيها انقلاب قبل شهرين، ولم تدرِ به باريس إلا متأخرة، بالإضافة إلى إعلان الجزائر أن اللغة الثانية في جامعاتها هي الإنجليزية بعد قرنين من المكانة العالية للغة الفرنسية فيها. وكذلك غاضبة من تنظيم المظاهرات في المغرب الحليف الأكبر لفرنسا على خلفية الرسومات الاستفزازية.فرنسا غاضبة من حملات مقاطعة البضائع الفرنسية التي آذتها معنويًا قبل الأذى المادي، إذ طالما سلكت القيادات الفرنسية السابقة نهجًا تصالحيًا مع قضايا العالم العربي والإسلامي، وكانت أقل حدة من المواقف الأمريكية المدججة بالأساطيل وبالدبلوماسية الفعّالة.فرنسا غاضبة أيضًا لأن اقتصادها في حالة تقصير كبير مقارنة بجارتها ألمانيا أو بجارتها سويسرا، وهي غاضبة لأنها لم تستطع اجتذاب كثير من الرساميل الأوروبية التي خرجت من بريطانيا إلى ألمانيا، بعد أن أبحرت بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من عدم التماسك.فرنسا غاضبة لأن رزمة من القوانين تم تأجيلها بسبب الاحتجاجات الشعبية التي بدأها أصحاب “السترات الصفراء”، وأشهرها قانون التقاعد، الذي وصل الصراع حوله عام 2019 إلى درجات شديدة التأثير على شعبية ماكرون التي يستعيدها اليوم بعد أزمة الرسوم الكاريكاتيرية وجريمة قطع رأس مدرس التاريخ صموئيل باتي.فرنسا غاضبة من تشكل جزر داخلها تحتضن تنظيمات التطرف الديني، وهي غاضبة من نتائج معاملتها القاسية للمهاجرين المسلمين الذين تم إسكانهم في معازل شبه عنصرية رغم إسهامهم في الدفاع عن فرنسا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وإسهامهم في إعادة إعمار فرنسا بعد دمار الحرب العالمية الثانية، وصارت هذه الضواحي الفقيرة اليوم منبعًا للتطرف والجريمة وتجارة المخدرات.فرنسا الغاضبة اليوم، والغارقة في الحجر الصحي الشبه التام بسبب انتشار فيروس “كورونا المستجد” (كوفيد- 19) وبشكل مضاعف عن جارتها ألمانيا، تتحسس هذه الأيام مجتمعها وتركيبته، وتتحسس علاقة الآخرين بها وباقتصادها، وتتحسس بنيتها الاقتصادية المتراجعة وهي تقف وجهًا لوجه أمام الاختيار بين التقوقع اليميني الذي يستعيد نظرية المركزية الأوروبية التي تستهين بالآخرين، والتي كانت مذابح الجزائر آخر نتائجها وحزب لوبان آخر تجلياتها، وبين أن تجري إصلاحات جذرية تنقذها من التراجع، وتنقذ سمعتها واقتصادها، وتعيد التماسك في مجتمعها بعيدًا عن نظرية الاستعلاء، التي لن تجرّ عليها إلا الغضب المتبادل مع الدول والشعوب الأخرى.كان العرب يعتبرون فرنسا بلد الأنوار والعطور والفن، وكان رؤساء مثل ديغول وميتران وديستان من الشخصيات المحبوبة عربيًا على عكس ساركوزي الذي أعاد تأهيل بشار الأسد، وكذلك على عكس ماكرون الذي يحصد نتائج جريمة قتل مدرس التاريخ، وبعدها جريمة كنيسة مدينة نيس، وصار يحظى اليوم بالإجماع اليميني، وهو الرئيس المدعوم من رجال ساركوزي المدربين على الأفعال والتصريحات الاستفزازية والعنيفة

مقالات ذات صلة

USA