• الأربعاء , 28 سبتمبر 2022

واحدٌ من أجمل العُشّاق. كلمة الشاعر محمود درويش في رثاء الكاتب والإعلامي د. سمير قصير


كلما التقيتُ باسمه، أصغيتُ إلى أغنية صغيرة تمجّد قِرانَ الفتوّةِ والوعي، واقترانَ الرأي بالشجاعة.. ثم حزنت، لا لأن عمر الورد قصير، بل لأن تلك الوردة لم تكمل تفتّحها الساطع على سياج يحترق!

كان سمير مهووساً بالسباق على طريق الغد، ليبقى الفتى الأول. وكان له ما أراد: فإن من سبقنا إلى الغياب لن يكبر مثلنا. هناك، حول صورته، سيجد الزمن نفسه، كعربي معاصر، عاطلاً عن العمل!

أما نحن، اصدقاءه وعشاقُ بيروت المفجوعين، فلن نعتذر عن حلم جميل، مهما ارتدى من أقنعة الفجر الكاذب. ولن تغرينا تعاليم التوازن باتهام شهيد الحرية والحب بالتهور، كما قد يفعل المحاسبون المَهَرة في مؤسسات العواطف والأفكار.

بل نسألُ القاتل: أما كان في وسعك أن تكتب مقالةً في جريدة تثبت فيها أن سمير قصير على خطأ، ولا يستحق الحياة في لبنان، ولا في بلد آخر؟

البراهين كثيرة. تبدأ من خلل فادح في خريطة يافا، ومن سلالة لا تستقيم، على الرغم من صحة الولادة، مع معبودات الطائفة والعائلة والقبيلة… ولا تنتهي عند حرمان الغريب من حقه في العمل اليدوي والفكري، ومن إبداء الرأي في المناخ المتغيّر في المحيط والعالم.

لم نقل له من قبل: ما أجمَلَك! فقد كان يعرف ذلك اكثر مما ينبغي، ويعلنه نيابة عنا. لكن للغياب استرجاعا لزمن أُصيبَ بالفصام.

في لحظة واحدة، في انفجار واحد، ينقلب فعل المضارع الى فعل ماض ناقص يحتكر الذكرى، وينقص المكان. ويصبح ما بعده ظلاما يدرك بالحواس الخمس… فبأي قلب أناديه: يا صاحبي! لماذا جعلتنا نحبك الى هذا الحد؟

لم نجتمع إلا لنضحك من امتلاء النرجس بالحكمة. فالطفل المعجزة، كما سميناه كان سعيداً بأن يكبر كاتباً ومثقفاً وعاشقاً، دون أن يتخلى عن خصوصية اللقب الذي يضمن له صورة يوسف بين إخوته، وسيرة الفارس المنذور للدفاع عن حرية غريبة الاطوار، وعن ديموقراطية شاذة.

سمير قصير، الراقص الرشيق في حقول الالغام، الساخر من كل انسجام مع عبودية مفروضة او مختارة، هو احد أسماء التفوق على صُدْفةِ الهوية وعلى التخصص في مدوّنة واحدة. لذلك صدّقَ أنّ في وسع الفلسطيني أن يكون لبنانياً، وأن في وسع اللبناني أن يكون فلسطينياً عربياً، وأن من واجب العربي أن يكون مشاركاً بالتفكير على الأقل، في التداعيات التي تتركها انقلاباتُ العالم المعاصر على ما يُعدُّ له من مصائر. وصَدّقَ أن ثقافة الديموقراطية لا تنتهكُ بالضرورة مقدساتِ التراثِ القومي !

لذلك لم يقع في شرك السؤال الزائد عن حاجتنا الى الوجود: من أنا؟ فهذا المواطن المتعدد المتجدد المتنوّر المتطور لا يحتاج الى برهان على شرعية الأم. لم يقاوم الاصولية بأصولية مضادة، ولا الطائفية بطائفية مُضْمَرَة. هويتهُ مفتوحةٌ على غد ينبغي أن يكون مفتوحا للجميع، وعلى حداثة لا معنى لها في شرطنا التاريخي إلا بارتباطها بمشروع تحرر شامل المستويات.

من حق الطفل في مساءلة أبيه إلى حق المرأة في خلع الرجل، الى حق المواطن في تغيير الحاكم، الى حق الفرد والمجتمع في مقاومة الاستبداد والاحتلال معا، الى حق الشاعر في التخلص من الانضباط للقافية، الى حق الحالمين بأن يحلموا بأنهم أحرار، الى حق الكاتب في التمييز بين معنى الموت ومعنى القتل!

ألهذا استحقَّ سمير قصير القتل؟

ملءُ قلبي هجاءٌ لسادة هذا الزمن الذي لا يُسأل فيه عن اسم القاتل، بل يُسألُ عن اسم القتيل التالي. كأن القاتل هو الغامض الثابت، والقتيل هو الواضح المتغيّر. وهكذا تتحول شخوص المسرحية الدموية جمهورَ مشاهدين يتفرجون على مصائرهم المدوّنة، ويتحول جمهور المشاهدين شخوصا في مسرحية لم يقرأوا نصها.

وملء قلبي رثاء مادح لمن كتبوا بالجمر أحلامهم، دون وجل من ضباط الليل، أو خجل من عورة الحقيقة.

وملءُ قلبي بكاءٌ مالحٌ على لبنانَ الجميل، الذي أُشبِعَ بلاغةَ مديح لا يريده، واختُزِل إلى حد الخنق بصور مستوحاة من اغنيات عن براءة ريفية، ومشهد طبيعي لا يَرى منه العابرون إلا الأخضر المُصَفّى بأبدية الازرق. أما الأحمر الدامي فلا يراه غير الموغلين في كتابة المستقبل، وملاءمة الصورة مصدرها. لقد نزف لبنان، الحائر المحيّر، كثيراً من الدم لصوغ هويته التعددية، وللخروج من ثقافة الطائفة والعائلة الى أفق أرحب، فإلى أين؟ إلى أية هاوية يجرّهُ الخائفون من خصوبة الهوية ومن فتنة الأمام؟ إلى أي وراء يريد أن يرجعه مهندسو الظلام؟

يقول المجاز الأكيد: إنها ساعة المخاض الطويلة. وإن الحرية، على ما فيها من جماليات، قد تتوحش ليلة العرس، وتتعطش إلى دم عشاقها. فذلك هو حناؤها الباذخ قبل انصرافها إلى شؤون التدبير المنزلي.

. وسمير قصير هو واحد من اجمل هؤلاء العشاق”

كلمة الشاعر محمود درويش في رثاء الكاتب والإعلامي د. سمير قصير

“كلما التقيتُ باسمه، أصغيتُ إلى أغنية صغيرة تمجّد قِرانَ الفتوّةِ والوعي، واقترانَ الرأي بالشجاعة.. ثم حزنت، لا لأن عمر الورد قصير، بل لأن تلك الوردة لم تكمل تفتّحها الساطع على سياج يحترق!

كان سمير مهووساً بالسباق على طريق الغد، ليبقى الفتى الأول. وكان له ما أراد: فإن من سبقنا إلى الغياب لن يكبر مثلنا. هناك، حول صورته، سيجد الزمن نفسه، كعربي معاصر، عاطلاً عن العمل!

أما نحن، اصدقاءه وعشاقُ بيروت المفجوعين، فلن نعتذر عن حلم جميل، مهما ارتدى من أقنعة الفجر الكاذب. ولن تغرينا تعاليم التوازن باتهام شهيد الحرية والحب بالتهور، كما قد يفعل المحاسبون المَهَرة في مؤسسات العواطف والأفكار.

بل نسألُ القاتل: أما كان في وسعك أن تكتب مقالةً في جريدة تثبت فيها أن سمير قصير على خطأ، ولا يستحق الحياة في لبنان، ولا في بلد آخر؟

البراهين كثيرة. تبدأ من خلل فادح في خريطة يافا، ومن سلالة لا تستقيم، على الرغم من صحة الولادة، مع معبودات الطائفة والعائلة والقبيلة… ولا تنتهي عند حرمان الغريب من حقه في العمل اليدوي والفكري، ومن إبداء الرأي في المناخ المتغيّر في المحيط والعالم.

لم نقل له من قبل: ما أجمَلَك! فقد كان يعرف ذلك اكثر مما ينبغي، ويعلنه نيابة عنا. لكن للغياب استرجاعا لزمن أُصيبَ بالفصام.

في لحظة واحدة، في انفجار واحد، ينقلب فعل المضارع الى فعل ماض ناقص يحتكر الذكرى، وينقص المكان. ويصبح ما بعده ظلاما يدرك بالحواس الخمس… فبأي قلب أناديه: يا صاحبي! لماذا جعلتنا نحبك الى هذا الحد؟

لم نجتمع إلا لنضحك من امتلاء النرجس بالحكمة. فالطفل المعجزة، كما سميناه كان سعيداً بأن يكبر كاتباً ومثقفاً وعاشقاً، دون أن يتخلى عن خصوصية اللقب الذي يضمن له صورة يوسف بين إخوته، وسيرة الفارس المنذور للدفاع عن حرية غريبة الاطوار، وعن ديموقراطية شاذة.

سمير قصير، الراقص الرشيق في حقول الالغام، الساخر من كل انسجام مع عبودية مفروضة او مختارة، هو احد أسماء التفوق على صُدْفةِ الهوية وعلى التخصص في مدوّنة واحدة. لذلك صدّقَ أنّ في وسع الفلسطيني أن يكون لبنانياً، وأن في وسع اللبناني أن يكون فلسطينياً عربياً، وأن من واجب العربي أن يكون مشاركاً بالتفكير على الأقل، في التداعيات التي تتركها انقلاباتُ العالم المعاصر على ما يُعدُّ له من مصائر. وصَدّقَ أن ثقافة الديموقراطية لا تنتهكُ بالضرورة مقدساتِ التراثِ القومي !

لذلك لم يقع في شرك السؤال الزائد عن حاجتنا الى الوجود: من أنا؟ فهذا المواطن المتعدد المتجدد المتنوّر المتطور لا يحتاج الى برهان على شرعية الأم. لم يقاوم الاصولية بأصولية مضادة، ولا الطائفية بطائفية مُضْمَرَة. هويتهُ مفتوحةٌ على غد ينبغي أن يكون مفتوحا للجميع، وعلى حداثة لا معنى لها في شرطنا التاريخي إلا بارتباطها بمشروع تحرر شامل المستويات.

من حق الطفل في مساءلة أبيه إلى حق المرأة في خلع الرجل، الى حق المواطن في تغيير الحاكم، الى حق الفرد والمجتمع في مقاومة الاستبداد والاحتلال معا، الى حق الشاعر في التخلص من الانضباط للقافية، الى حق الحالمين بأن يحلموا بأنهم أحرار، الى حق الكاتب في التمييز بين معنى الموت ومعنى القتل!

ألهذا استحقَّ سمير قصير القتل؟

ملءُ قلبي هجاءٌ لسادة هذا الزمن الذي لا يُسأل فيه عن اسم القاتل، بل يُسألُ عن اسم القتيل التالي. كأن القاتل هو الغامض الثابت، والقتيل هو الواضح المتغيّر. وهكذا تتحول شخوص المسرحية الدموية جمهورَ مشاهدين يتفرجون على مصائرهم المدوّنة، ويتحول جمهور المشاهدين شخوصا في مسرحية لم يقرأوا نصها.

وملء قلبي رثاء مادح لمن كتبوا بالجمر أحلامهم، دون وجل من ضباط الليل، أو خجل من عورة الحقيقة.

وملءُ قلبي بكاءٌ مالحٌ على لبنانَ الجميل، الذي أُشبِعَ بلاغةَ مديح لا يريده، واختُزِل إلى حد الخنق بصور مستوحاة من اغنيات عن براءة ريفية، ومشهد طبيعي لا يَرى منه العابرون إلا الأخضر المُصَفّى بأبدية الازرق. أما الأحمر الدامي فلا يراه غير الموغلين في كتابة المستقبل، وملاءمة الصورة مصدرها. لقد نزف لبنان، الحائر المحيّر، كثيراً من الدم لصوغ هويته التعددية، وللخروج من ثقافة الطائفة والعائلة الى أفق أرحب، فإلى أين؟ إلى أية هاوية يجرّهُ الخائفون من خصوبة الهوية ومن فتنة الأمام؟ إلى أي وراء يريد أن يرجعه مهندسو الظلام؟

يقول المجاز الأكيد: إنها ساعة المخاض الطويلة. وإن الحرية، على ما فيها من جماليات، قد تتوحش ليلة العرس، وتتعطش إلى دم عشاقها. فذلك هو حناؤها الباذخ قبل انصرافها إلى شؤون التدبير المنزلي.

. وسمير قصير هو واحد من اجمل هؤلاء العشاق”

مقالات ذات صلة

USA